د/ على الحمادي
لم يذق المصريون والعرب جميعًا منذ عام 1973م فرحة تضاهي فرحة تنحي الرئيس المصري حسني مبارك عن الحكم، فخرجت جموع العرب والمسلمين – لا أقول المصريين وحدهم – من الخليج إلى المحيط يوزعون الحلوى والورود ويضحكون ويبتهجون..
أستشعر وأنا أشاهد المصريين في فرحتهم أنهم بلغوا الذي أرادوا، فلم يعد يرهبهم الجْلد ولا الحبس ولا المنع ولا القتل، لم يعد الواحد منهم يخاف من إطلاق الكلمة، وتصحيح الخطأ، ورد الاعتبار، ودفع المهانة.
ثلاثة عقود عاشوها في ظل الكبت والقهر والظلم، وفي ظل قانون الطوارئ المشئوم، الذي قتل البسمة على الشفاه، وعقد الألسنة فلم تعد تتفوه حتى بكلمة آه، فالشكوى ممنوعة، ومَن يلجأ إليها يسام الذل والسخرية والاستهزاء، والكلمة مصادرة، ومَن يقدر عليها فمصيره الحبس والسحل والتعذيب.
(ياااااااااااه) (أخييييييييييرًا) كلمات خرجت من قلوب المصريين قبل ألسنتهم، ودموع هطلت فرحًا بيوم لم يكن أحد ليصدق أنه آت، ولكن وعد الله الذي لا يتخلف: "فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ" (إبراهيم: 47)، ونصره لعباده الذي لا يتأخر: "وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ" (الروم: 4 ، 5).
هذه فرحة الشعوب المقهورة وهي ترى نهاية هذا الحاكم الذي ما بكى عليه أحد: "فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ" (الدخان: 29)، إنها فرحة غير متكَلَّفة ولا مصطَنَعَة، ولكنها فرحة الآمل إذا بلغ مناه، والداعي إذا أُجيبت دعوته، والمظلوم إذا رُدَّ إليه حقه.
إنها رسائل الله إلى بقية الحكام أن اتقوا الله واعدلوا في رعيتكم، قبل أن تجري عليكم سنة الله التي لا تتبدل ولا تتخلف: "سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا" (الأحزاب: 62(.
تروي كتب التاريخ أنه لما فُتحت مدائن قبرص وقع الناس يقتسمون السبي، ويفرقون بينهم - أي بين سبايا العدو - ويبكى بعضهم على بعض، فتنحى أبو الدرداء ثم احتبى بحمائل سيفه فجعل يبكي، فأتاه جبير بن نفير فقال: ما يبكيك يا أبا الدرداء أتبكي في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذل فيه الكفر وأهله؟ فضرب على منكبيه، ثم قال: ثكلتك أمك يا جبير بن نفير ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره؛ بينما هي أمة قاهرة ظاهرة على الناس لهم الملك حتى تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى".
فلا تتركوا أمر الله وحكمه، ولا يغرنكم الشرق وقوته ولا الغرب وصولته، فأين هؤلاء وهؤلاء من قوة الله تعالى التي لا تُغلب ولا تُقهر؟ وماذا صنع الغرب مع مبارك؟ هل أغنوا عنه شيئًا أمام إرادة شعوبهم؟ إنهم كانوا أول مَن طالبه بالتنحي استجابة لرغبات شعبه وتطلعاته.
إن الإمام العادل – معشر الحكام - كما قال الحسن البصري للخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (رحمه الله): "قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف، وهو الراعي الشفيق على إبله، والحازم الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مواقع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحر والضرر، وهو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد لله ويقودهم، فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال وشرد العيال فأفقر أهله وأهلك ماله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق