الجزيرة نت

قائمة المدونات الإلكترونية

السبت، 25 يونيو 2011

العلمانيون فى مواجهة الإسلام (دراسة)

العلمانيون فى مواجهة الإسلام (دراسة)

الكاتب : أنصار بورسعيد الاثنين 20 يونيو 2011 الساعة 12:29 مساءً

لواء د. عادل عفيفي
هذه دراسة قيمة للكاتب الأستاذ محمد يوسف عدس تعبر عن واقع العلمانيين فى مصر الآن ،الذين نزلوا بكل قواهم وأجهزتهم الإعلامية، يخيفون الناس مما يسمونه الزحف الإسلامي، ومن الدولة الدينية، و هذا الذي يتحدثون عنه ليس أكثر من كائن خرافى يعشش فى عقولهم فقط،لأن الدولة ذات المرجعية الإسلامية هى دولة مدنية حتى النخاع.. وهى كأي دولة مدنية أخرى فى العالم تقوم على الديمقراطية والعدالة وسيادة الشعب.. وعلى التعددية الحزبية وحرية الرأي وحرية العقيدة.. ولكن ميزتها أنها توفر للأقليات الدينية والعرقية مثل جميع المواطنين بلا استثناء أن يعيشوا حياتهم أحرارا مطمئنين وفقا للإطار الأخلاقي الذى لا يتعارض مع قيمهم التى يعتزون بها..

والعجيب أنه فى الوقت الذى بدأ المفكرون فى الغرب يعيدون النظر فى العلمانية ويتنبّهون إلى تناقضاتها وآثارها المدمّرة فى مجتمعاتهم ، يصعّد العلمانيون عندنا حملاتهم الدعائية للعلمانية باعتبارها المنقذ والخلاص من كل عللنا السياسية والاجتماعية .

فلننظر إلى مايقوله مفكر محترم من الغرب، هو"جون كين" الأستاذ بجامعة وستمنستر بلندن.. فقد تحدث عن مفهوم جديد يطلق عليه "ما بعد العلمانية"، فهو يرى أن العلمانية لم تفِ بوعودها بشأن الحرية و المساواة إذْ تنتشر العنصرية والجريمة فى البلاد الغربية التى ترسّخت فيها العلمانية.. وأخفقت في العالم الثالث حيث تحالفت الأنظمة العلمانية مع الاستبداد والقوى العسكرية.. ولم تؤد إلى الجنّة العلمانية الموعودة..

إذن نحن أمام موقف مثير للعجب: ففى الوقت الذى تتعالى فيه صيحات كثرة من الكتاب والسياسيين الذين يرفعون راية الخلاص العلمانية فى مصر، فى هجوم شرس ضد الإسلاميين، وضد التوجّهات الإسلامية نجد أن العلمانية فى الغرب قد أصبحت موضع مراجعات قوية.. وأصبح حضور الدين في الشأن العام أمرا ظاهرا ومتغلغلا فى مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية.. حتى أننا يمكن أن نقول مطمئنين بأننا نشهد نهاية مرحلة كانت العلمانية فيها تعتبر قدرا محتوما لتطوير المجتمعات الحديثة.

نحن الآن فى مرحلة لم تعد للعلمانية فيها تلك القداسة التقليدية؛ ففى أمريكا يوجد تيار مضاد لسيادة العلمانية ويعمل لعودة الدين.. حيث يتعاظم دور التيارات الإنجلية المتشددة والأصولية الجديدة فى السياسة الأمريكية.. وقد تجلّى أثر هذا واضحا في انتخاب ريجان، وبوش الأب وبوش الإبن على التوالى..

الجدل الآن دائر فى الغرب حول مسألتين: علاقة الدين بالحداثة فى ضوء فكرة تقليدية كانت ترى أن التحديث سيؤدي إلى إقصاء الدين عن الحياة، والثانية: هو تلك العلاقة التي يراها العلمانيون المتطرفون حتمية بين العلمانية والديمقراطية..

أما فيما يخص المسألة الأولى.. فنلاحظ أنه قد ساد فى الماضي اعتقاد بين المثقفين وعلماء الاجتماع الغربيين بأن عملية التحديث هى التى ستؤدى حتما إلى إقصاء الدين عن الحياة، ومن ثم دأب هؤلاء على مدى عقود من الزمن يؤكدون أن الدين فى أُفول .. غير أن تلك العودة للدين كما أشرنا قد زعزعت هذه التصورات الصلبة وأدت إلى ظهور ردّة فعل مسرفة في الاتجاه المعاكس، تجدها واضحة عند "رودني ستارك" (أحد أبرز علماء الاجتماع الديني) حيث يقول:

" الأجدر بمبدأ العلمنة أن يُلقى في مقبرة النظريات الفاشلة، وأن العلمانية قد أشرفت على نهايتها".

لذلك لا بد من الاعتراف بأن عملية التحديث خلال القرن الماضى قد أثبتت خطأ فكرة إمكانية إقصاء الدين، أو أن التحديث سيؤدي إلى تنحية الدين عن المجتمعات بالضرورة، والأدلة على ذلك كثيرة، لعل أبرزها ما نشهده فى إسرائيل حيث تتعاظم النزعة الدينية المتطرفة خصوصا تحت حكم الليكود.. الذين يصرّون على أن يعترف الفلسطينيون بإسرائيل دولة مقصورة على اليهود.. ويسنّون تشريعات وقوانين لإجبارهم على هذا الاعتراف، وخرج الرئيس الأمريكى أوباما يروّج فى خطابه إلى الأمريكيين والعالم من ورائهم ليهودية دولة إسرائيل.. يعنى دولة مقصورة على عنصر واحد ودين واحد.. هم اليهود...!

الإسلام وحده يقف متفرّدا بخصوصية لا يشاركه فيها دين آخر وهى خصوصية يكره العلمانيون الأقزام أن يعترفوا بها، ولكن للعجب نجد أن بعض المفكرين الغربيين الكبار مثل" إرنست جِلنر" Ernest Gellner وهو فيلسوف وعالم أنثروبوجيا، وكان أستاذا فى جامعتي لندن وكامبريدج، يلحظ هذه الخصوصية ويتحدث عنها بإفاضة فى كتاب له بعنوان "المجتمع المسلم" يتساءل فيه باندهاش عن سر هذه القدرة العجيبة للإسلام الذى لا ينحنى للعلمانية التى اكتسحت العالم..؟؟ ويتساءل:

لماذا ينفرد هذا الدين بقدرة هائلة على مقاومة العلمنة..؟!

ثم يخلص فى تحليلاته إلى أن هذا الإسلام ينطوي على إيمان روحي بالغ العمق، حتى أصبح هو الدين الوحيد القادر على تحدي زحف العلمنة بشكل كلّي وكاسح.

ويضيف جلنر قائلا: "إن الإسلام يكشف لنا بوضوح أنه قادر على إقامة اقتصاد عصري، قادر على احتضان المبادئ التكنولوجية والتعليمية والتنظيمية المناسبة، يتبناها ويعمل على تمثّلها.. وتوحيدها مع الإيمان الراسخ بالإسلام، بكل ما يملكه من قوة وانتشار..." .

ويردّالفيلسوف المسلم على عزت بيجوفيتش على العلمانيين والماركسيين بأن من أراد أن يبحث عن العدل الحقيقي فى ذروته والعدالة الاجتماعية فى أعظم تجلياتها فلينظر فى الإسلام .

يتبين لنا من هذه الحقائق أنه إذا كان إقصاء الدين من الحياة والمجتمع ليس شرطا للحداثة و التحديث، فإن العلمانية بدورها ليست شرطا للديمقراطية، كما يزعم العلمانيون المصريون.. فالعلمانية لم تعد الحقيقة الواحدة و"الخيار الأوحد" الذي يدّعون أنه لا بد منه لتقدّم المجتمعات.

بل إن "جون كين" الذى أشبع العلمانية بحثا وتحليلا لا يخفى شكوكه فى مزاعم العلمانية .. ويطرح هذه الشكوك فى صيغة تساؤلات استنكارية عما إذا كانت العلمانية تحول بالفعل دون حرية التفكير في الديمقراطية نفسها...؟!، بل يرى أكثر من هذا أنها قد تحولت إلى عقيدة سياسية منغلقة على نفسها غير قابلة للتواصل مع الأفكار الأخرى المخالفة..

إن العلمانيين فى مصر لديهم الرغبة العارمة لإعادة الدكتاتورية إلى مصر تحت مسميات زائفة.. فهم لا يزدهرون إلا فى ظل الدكتاتوريات، ويعلمون علم اليقين أنهم أقليات مكروهة لا يريدهم الشعب المصري ولا يثق فيهم. إنهم يبحثون عن شرعية أجنبية خارج وطنها، ولا مانع عندها أن تعود مصر إلى مجرد أداة طيّعة فى قبضة القوى الغربية الصهيونية.

والموقف الانتهازي المعادى للإسلام من جانب العلمانيين المصريين صريحا مفضوحا، فهم يلهثون دائما وراء سند أجنبي يستقْوون به على الشعب، لا يعبئون بالحرية أو اللبرالية أو الديمقراطية كما يزعمون.. ولا يهمهم إلا مصالحهم الخاصة.. وأن تمتلئ جيوبهم بعطايا وهدايا القوى الأجنبية التى تنفق بسخاء على أعداء الإسلام وأعداء التوجّهات الإسلامية، تحت عباءة دعم الديمقراطية ودعم هيئات ومؤسسات المجتمع المدني.

(الدراسة منشورة على موقع http://madarpress.com/forum.php?action=view)

حاخام يهودي يعترف بنبوة النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) ويؤكد مستقبل العالم في الاسلام

حاخام يهودي يعترف بنبوة النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) ويؤكد مستقبل العالم في الاسلام

الكاتب : أنصار بورسعيد السبت 25 يونيو 2011 الساعة 12:14 مساءً



اعترف حاخام يهودي بنبوة سيدنا محمد (صلي الله عليه وسلم ) وبأن الإسلام هو دين الحق والقرآن هو كتاب الله المنزل على نبيه خاتم المرسلين.


وذلك في حديث نشرته إذاعة "التجديد الاسلامى" على الانترنت خلال مقطع فيديو بموقع  "يوتيوب" الشهير مرفق بترجمة من الروسية إلى العربية.


في البداية أكد الحاخام أن الإسلام في بداية ظهوره تم بناءه بحيث يكون قادر على الصمود وهو ذو عقيدة قوية تستطيع أن تتحمل حالات التغير في العالم .


وقال ": نشأ الإسلام وكان له قائد حقيقي أوحى إليه (القرآن) وفى هذا لا يوجد أدنى شك .. ففي الإسلام واضح أنه كان هناك نبي ثم أوحى إليه ( القرآن) ثم بدأ ببناء مجتمعه الديني وعلى هذا الأساس بنى مجتمعاً جديداً بتعاليم جديدة واتضح فيما بعد ذلك بأن هذه التعاليم قادرة على الصمود في الحالات الصعبة وهذا حقيقة ماحدث".


وواصل موضحاً تأثيرات الديمواقراطية السلبية على الأديان مستثنياً الإسلام، وقال:" ليس هذا فحسب بل كان للإسلام ميزة تفوق ألا وهى ظهوره في المشرق بعيدا عن أوروبا وثوراتها الاجتماعية والصناعية ..


واليوم في عصرنا الحاضر بعد مجيء حقبة الديمواقراطية أو الإلحاد الجامح اللا محدود التي تعتبر شيء قبيح في أعلي مراتبه على الإطلاق .. بدأت الديموقراطية تغرق العالم في الوقت الذي لم يتبقى فيه من اليهودية أى شيء بحكم وقوعها تحت طاقية الصهيونية".


واستطرد الحاخام مبدياً إعجابه بصلاة المسلمين " لم يتبق شيء في العالم غير الإسلام .. والإسلام قبل كل شيء .. نشأ بحيث أن من اتبع محمد ( صلي الله عليه وسلم) فيما بعد التزم بتعاليم هذا الدين أي أنهم كانوا دائما في اتصال مع الخالق ( جل جلاله) .. المسلم يجثو على ركبتيه ( مصلياً) خمس مرات كل يوم محددا بمواعيد دقيقة".


وتابع ": أنني أعيش معهم هناك (يقصد المسلمين) علاوة على ذلك سافرت إلى أوروبا وكنت في المطار كان هناك ركن هادئ وقد جاء وقت الصلاة فذهبت إليه ثم اقترب منى مسلمين وقفت لأصلي صلاتي .. أما هم افترشا الجرائد جثياً على ركبتيهما ( يصليان)".


وأضاف:" هذا هو الإسلام وهذا بمجمله له معاني كثيرة .. إنسان يصلي خمس مرات في اليوم ومع إنها خمس صلوات فهي ليست طويلة .. كان لي إمكانية الاطلاع على الصلاة ( عند المسلمين) فاطلعت على ما هو مكتوب فيها .. إنها غير طويلة وجادة جداً وعميقة جداً .. فالإنسان في خمس دقائق عندما يجثو على ركبتيه ويركع (مصليا) ويقرأ فهو يخاطب العلى ( جل في علاه)".
  
وأشار الحاخام إلى الحكمة من استمرار وجود إسرائيل حتى الآن، وقال:" هذا شيء مهم جدا ذو معنى كبير لذا فالإسلام في مجمله هو دين المستقبل إذا أمكننا أن نقول أن العالم اليوم لن يغلق بحكم وجود ما تسمى بدولة إسرائيل.


 فنحن حالياً في مرحلة يتوجه فيها العالم باندفاع نحو الانغلاق لان الدولة (إسرائيل) لا تملك الحق في الوجود منذ سنة ونصف".


وواصل :" انتهت كل المواعيد المتاحة والممكنة .. العالم بدأ بالانغلاق اى أن العلى ( جل في علاه) يغلقه وكل محاولات التنبؤ بحلول مستقبلية لإيقاف كل هذه الكوارث الاقتصادية وغيرها والتي تتوالى تباعاً سوف تكون بلا معنى .


 العالم سوف ينغلق وهذا أمر لا مفر منه إذا ما لم يتم القضاء على هذه الدولة التي هي في حقيقة الأمر أصل الشر فإذا تم القضاء عليها فإنه كما اعتقد بعد سبعين عاماً سوف يدين أكثر سكان الأرض بدين الإسلام لان هذا الدين قوى كفاية صحيح ويقود الناس في الاتجاه الصحيح".


واختتم الحاخام حديثه متنبأ بغزو الإسلام للعالم أجمع، وقال:" نعم توجد حقيقة مشاكل بين الشيعة والسنة وعدم توافق بينهما في بعض المسائل هذا أمر مفهوم .. هذا الآن .. ولكنى آمل إذا ما تم القضاء على ما عندنا اليوم ( إسرائيل) عندها ستختفي المشاكل بينهم .. وعندها سوف يدين أكثر أهل الأرض بدين الإسلام.


 وهذا الأمر واضح اليوم للعيان لأنهم بدأوا يكثرون وينتشرون إلى الحد الذي قامت فيه احدى الدول الأوروبية لا اذكر اى دولة ( سويسرا) قامت بمنع بناء المساجد الجديدة لأنها تري في ذلك انتشار لـ (الإسلام) .. مستقبل العالم في الإسلام .. هذه بدقة هي الحقيقية إذا ما تم القضاء على المشكلة الموجودة".
شبكة الإعلام العربية

المخيم التربوي الأول للإخوان المسلمون ببورسعيد

عمرو أديب و دعوة المليون لحية !!

فضيلة الدكتور عمر عبد الكافى والإخوان

الأحد، 19 يونيو 2011

محمد جمال عرفة يكتب: صحف مصرية تقود الثورة المضادة !

محمد جمال عرفة يكتب: صحف مصرية تقود الثورة المضادة !

صورة وضعتها جريدة الفجر مانشيت لسلفيين مصريين وهي لشخص أردني
الكاتب : أنصار بورسعيد السبت 18 يونيو 2011 الساعة 03:08 مساءً

عندما كشفت التحقيقات مع الضابط الإسرائيلي، المقبوض عليه بتهمة التجسس على مصر أن جهاز الموساد (كلفه بجمع معلومات عن جماعة الإخوان المسلمين) بحسب نص جريدة المصري يوم 14 يونيو..
نشرت الجريدة مانشيتا يقول : (الضابط الإسرائيلى اتصل بقيادات الإخوان ) مما يعني أن الإخوان متهمون بالتعاون مع الجاسوس (!)، أي هم جاني لا مجني عليه ويتجسس هو عليهم !! .
وعندما تطرق الشيخ محمد حسان بالنقد لمعارضي الجيش ضمنا وهو يتحدث في خطبة الجمعة عن المرتدين في عهد رسول الله دون رابط بينهما، نسبت صحيفة (اليوم السابع) إليه قوله إن الذين يهاجمون المجلس العسكري والقوات المسحة '' كالمرتدين بعد وفاة الرسول''، وعندما عاتبهم الشيخ قالوا له أرسل تكذيبا، ثم اعترفت الجريدة أخيرا بأنها أخطأت وأن "هذا الربط جاء متعسفًا ومبالغًا فيه من المسئول عن تغطية هذه الخطبة"!.
وعندما فوجئت المذيعة هالة سرحان في برنامجها (ناس بوك) بمسئول حزب (النور) الاسلامي السلفي الجديد يقول كلاما معتدلا في حلقة 13 يونيو عن تكاتف المصريين جميعا للخروج بمصر لبر الأمان، لم تجد ما تحرجه به سوي سؤاله: (هل توافق علي رواية نجيب محفوظ أولاد حارتنا !؟ )، برغم أنها خارج سياق الحديث، بهدف تصييد رفض من الرجل يشوه صورة السلفيين، ولكنه افحمها برده أنها رواية أدبية عظيمة !.
قبل هذا نشرت جريدة الفجر في 21 مايو الماضي مانشيتا بعنوان (انهيار الدولة في مصر) وأعقبته بعنوان "بلطجية السلفية: لن نكون رجالا إلا إذا أحرقنا كل الكنائس"!!، ولمزيد من الإثارة والتهييج تم إرفاق الخبر بصورة "شيخ سلفي يرفع خنجرا".
والفضيحة أن هذه الصورة المنشورة هي لشخص أردني لا مصري ومن (جيش محمد) في الأردن سبق الحكم عليه بالإعدام هناك ثم عفا عليه الملك حسين قبل وفاته، ولا علاقة لها بالطبع بالسلفيين في مصر ! .
ولمزيد من إلقاء الزيت علي النار تنشر الصحيفة أخبارا بعنوان : " كساد في الاقتصاد يهدد بالإفلاس" و"ضرب القضاة في الشوارع لإجبارهم علي تغيير الأحكام للبراءة" و" دقت طبول الحرب الأهلية "، لتكمل الصورة وتعطي صورة سوداوية للقارئ العادي بأن مصر مقبلة علي كارثة سببها السلفيين والتيار الإسلامي !.



الصحف الحكومية تشارك في الثورة المضادة







ولم يقتصر الأمر علي هجوم الصحف الخاصة وحدها علي الدعاة والتيار الاسلامي عموما، وإنما انضم لها صحف ومجلات حكومية بعضها كان يهاجم التيارات الإسلامية بأوامر أمنية في العهد السابق، فأصبح يهاجمها لغرض في نفس يعقوب أو لأسباب تتعلق بالخلاف الأيدلوجي، فجريدة الجمهورية القومية نشرت كذبا على لسان الشيخ حسان قوله إنه يريد في مصر 80 مليون ''دقن''، واستنكر حسان ذلك بقوله هل يعقل هذا ؟ أين التحري؟.. أين التثبت؟، وهل يعقل أن تنشر كل جريدة ما تريد''؟! .
وفي عددها الصادر 2 مايو الماضي لم تجد صحيفة (روز اليوسف) عنونا لخبر تعلق به علي عدم وجود قيادات نسائية ضمن قادة حزب العدالة والحرية الاخواني سوي عنوان (الإخوان جماعة تضطهد النساء) ! ولا تزال تضع الخبر علي موقعها علي الانترنت منذ أكثر من شهر !، برغم أن كل الأحزاب الاخري المعلنة لم ترشح اي قيادة نسائية وليس الاخوان فقط وهذا بخلاف الحفاوة بمن يهاجمون الجيش والمجلس العسكري وأنصار حملة الدستور أولا، برغم أن هناك خارطة طريق لابد من تنفيذها بعد الاستفتاء علي التعديلات الدستورية .
أما مجلة (المصور) التي لم يكن عدد منها يخلوا من هجوم علي جماعة الاخوان قبل الثورة، فهدأت وتيرتها قليلا، قبل أن تعود بنفس الحدة في الهجوم، مع فتح الباب علي مصراعيه في الأعداد الأخيرة لليساريين والعلمانيين لطرح أفكارهم المشوهة عن أن العلمانية ليست كلها شرا، وتلميع د. مراد وهبة رائد العلمانية في مصر في حوار يقول فيه إنه (بدون علمانية ثورة يناير فاشلة ) !!.
فضلا عن فتح المجلة أبوابها في عددها الأخير لغسيل سمعة بعض الادباء اليساريين الذين كان يحتضنهم نظام مبارك، وتبرؤهم منه لاحقا لحد قول أحدهم إن مبارك في جهنم وبئس المصير !.



أسباب الهجوم وتشويه الإسلاميين







والحقيقة أنه يمكن تقسيم تفسير هذا الهجوم من جانب الصحف الخاصة والحكومية علي التيارات الاسلامية بحسب تصنيف الصحف، فالصحف الخاصة المملوكة لرجال أعمال خصوصا ممن كانت مصالحهم تتناغم مع النظام السابق ويستفيدون من وجوده تتحرك بمنطق الحفاظ علي مصالحها التي تخشي أن تتضرر لو سيطر الاسلاميون علي السلطة، فيسعون ضمن التأثير الاعلامي لتعمد تشويه صورتهم وتصييد أي تصريح أو خبر يشوه صورتهم بمنطق "الترصد" لا "الرصد الاعلامي" المحايد .
والملاحظة الأبرز هنا أن الصحف التي شاركت في حملة التهييج هذه والإثارة يأتي علي رأسها الصحف الممولة من رجال الأعمال وبعضهم من الذين تورطوا في علاقات مشبوهة مع النظام السابق، وتربحوا المليارات فضلا عن شبهات تمويل خارجي تحيط ببعضها .
أما الصحف الحكومية فهي تعاني السيطرة التقليدية القديمة لبقايا التيارات اليسارية والسيطرة التقليدية الحديث للموالين للحزب الوطني الحاكم سابقا علي مدار السنوات الـ 30 السابقة، من أصحاب الأجندات ذات المصالح الخاصة أو المتصلة بالقناعات الفكرية المخالفة للتيارات الاسلامية عموما .
والمشكلة أن هؤلاء الذين يسعون للترصد وتشويه صورة بعض التيارات في بعض هذه الصحف الخاصة أو الحكومية، عبر النشر المسيئ أو المشوه واختلاق المعارك أو ترجيح آراء المناوئين للتيارات الإسلامية، يخدمون من حيث لا يقصدون أهداف الثورة المضادة في تعكير وتسميم الأجواء السياسية وخلق عداوات واحتقان سياسي لا يخدم هدف تجميع القوي السياسية في صف واحد لإنقاذ مصر في الفترة الانتقالية والتحول لنظام ديمقراطي حقيقي يحترم الأغلبية ولا ينتقص من حق الأقلية .
فضمن هذه الحملة الاعلامية غير المبررة علي التيارات الاسلامية، يجري تجريف قيم وقواعد ديمقراطية متعارف عليها، مثل الهجوم علي استفتاء تعديل الدستور الذي قال فيه 77% من المصريين كلمتهم مع الانتخابات أولا ثم الدستور، والالتفاف علي رأي هذه الأغلبية بطلب الدستور أولا والتظاهر للضغط علي المجلس العسكري لتنفيذ الدستور أولا وتأجيل الانتخابات فقط لأن المؤشرات تؤكد فوز الاسلاميين بنسبة كبيرة فيها وسقوط القوي المناوئة لهم !.
من هذه الأخطاء المترتبة أيضا علي حملة الترصد والترهيب للقوي الاسلامية، أنها تخدم اصحاب الثورة المضادة في الداخل والخارج، من خلال إثارة مشكلات طائفية بتخويف الأقباط من الاسلاميين وتصويرهم علي أنهم وحش كاسر وخطر علي الأقليات، وعبر تأجيل الانتخابات وتمديد فترة الفوضي السياسية والأمنية.

الوفد  


دراسة وثائقية رصدت مواقف ساويرس قبل الثورة وبعدها

ساويرس : حكومة نظيف أقوى مجموعة اقتصادية في تاريخ مصر ووزراؤها ضحوا بمصالحهم من أجل البلد

دراسة وثائقية رصدت مواقف ساويرس قبل الثورة وبعدها

الكاتب : أنصار بورسعيد السبت 18 يونيو 2011 الساعة 03:18 مساءً

نفلاً عن صحيفة المصريين
رصدت قراءة تحليلية تناقضات وتحولات حادة في مواقف رجل الأعمال نجيب ساويرس في مرحلة ما قبل الثورة وبعدها، استنادًا إلى وثائق تكشف عن جملة من الآراء والتصريحات التي يكيل فيها عبارات المدح بحق الرئيس السابق حسني مبارك وكبار رموز نظامه مشيدا بنزاهتهم، وخاصة مجموعة الوزراء من رجال الأعمال، والمحبوسين حاليًا على ذمة التحقيقات في اتهامات بالفساد، وحتى بعد اندلاع الثورة الشعبية التي أطاحت بهذا النظام – أظهر - كما يقول صاحب الدراسة- عن عدة وجوه يرى أن الإعلام غض الطرف عنها، وركز بدلاً من ذلك على التخويف من الإسلاميين واستخدامهم "فزاعة" للتخويف من صعود دورهم على الساحة في مصر.
كان ذلك خلاصة تحليل مضمون تصريحات صحفية أدلى بها ساويرس على فترات زمنية متباعدة– وغالبها منشور على صحيفة "المصري اليوم" التي يعد من أبرز المساهمين فيها- لينتهي معاذ عليان من خلال دراسته التحليلية، التي نشرها أحد المواقع الإلكترونية إلى أن هناك "وجوه كثيرة ومتناقضة يحملها المهندس نجيب ساويرس في عباءته"، لكن لا أحد يسلط الضوء على ذلك، و"لا نعرف أين دور الإعلام "المدني" الذي يدعي الاعتدال في كشف حقائق هؤلاء"؟، في الوقت الذي يحاول فيه أن يُظهره على أنه رجل معتدل مع الثورة على الرغم من أنه كان مناضا أساسيا لها منذ بدايتها؟!
فهو يرى أن ساويرس واحد من محبي الرئيس السابق وكان من أهم المستفيدين من نظامه على مر السنوات السابقة، ودأب على مغازلته كما يكشف بالوثائق، فعندما سألته صحيفة "المصري اليوم"- 17 / 11 / 2009- عن رأيه في البرادعي وأحمد زويل، رد قائلاً: "وأسوأ شيء حدث هو تسفيه رموز الوطن، مثل الدكتور أحمد زويل، والدكتور محمد البرادعى، وعمرو موسى، من قِبَل ضعاف النفوس، فهذه مسألة غير مقبولة وطنيا وتثير الاشمئزاز.. والرئيس مبارك ليس بحاجة إلى "هتيفة" ويمكن أن تحبه دون مجاملات بالنظر إلى محصلة إنجازاته".
وعندما سئل عن إطلاق اسم مبارك على ميدان رمسيس قال في ذات الصحيفة - 31 / 8 / 2006- إن "الرئيس أكبر من ذلك، ولا يفكر في إطلاق اسمه علي ميدان لأنه قدم ومازال يقدم الكثير لأبناء الشعب، وإطلاق اسمه علي ميدان رمسيس لا يليق به".
لم يتوقف الأمر عند مديح الرئيس السابق، بل كان من أشد المعجبين بحكومة رئيس الوزراء الأسبق الدكتور أحمد نظيف، وأثنى بصورة مبالغة على أدائها رغم السخط الشعبي، فعند سؤاله عنها بصحيفة "المصري اليوم"- 17 / 11 / 2009- وصفها بأنها "أقوى مجموعة اقتصادية في تاريخ مصر هي المجموعة الحالية بإجماع العالم، سواء وزير الاستثمار أو المالية أو التجارة والصناعة أو حتى محافظ البنك المركزي، رغم أنني على خلاف معه، لأنه نجح في تحقيق استقرار لسعر الصرف ومعالجة السياسة النقدية والفائدة، وكل ذلك أداره باقتدار".
وكان ساويرس صديقًا حميمًا للدكتور رشيد محمد رشيد الذي يُحاكم الآن وكان من أكثر المستفيدين منه فقد وضعه في رأس مجلس الأعمال المصري الإيطالي لكي يكون رئيساً له (المصري اليوم 19 / 1 / 2006)، كما اختاره نظيف ضمن الأعضاء في إدارة المجلس القومي للشباب (المصري اليوم 21 / 2 / 2006).
وفي الوقت الذي كان تثار فيه الشبهات حول الوزراء من رجال الأعمال الذين قدموا مع حكومة الدكتور أحمد نظيف في عام 2004 كان لساويرس رأي آخر، فهو يرى أنهم ضحوا بأعمال وأنفسهم من أجل منصبهم ويحاولون البعد عن الشبهات، قائلاً: "إن وجود مثل هؤلاء من الوزراء في الوزارة قد يؤذيهم في مصالحهم الخاصة، ولا يفيدهم قطعاً، لأنهم يكونون، والحال كذلك، أحرص الناس علي تجنب مواضع الشبهات"، (القناة الأولى، برنامج اتكلم، لميس الحديدي يوم الاثنين 10 / 4 / 2006م).
كما أنه كان من المتحمسين بشدة لبرنامج الخصخصة الذي تسبب في تدمير بيوت كثير من الموظفين والعمال في مصر، بعد أن تم التخلص من وحدات القطاع العام في صفقات أثير حولها الكثير من الجدل، وكان ينتقد تباطؤ الحكومة في هذا المجال، مؤكدًا أن السرقة والنهب لا يحدثان إلا في القطاع العام، الذي تحول إلى "خرابة"، وقال إن لم ير في حياته شركة تخسر سنويًا ٥٠٠ مليون جنيه، مثلما حدث في شركة "مصر حلوان للغزل والنسيج"، مشيرًا إلى أن تلك الشركة تستحق أن يتم وضعها في الكتب الجامعية تحت عنوان: "كيف تخسر ٥٠٠ مليون جنيه كل عام؟"، وهو أمر يحتاج إلي معجزة لكي يحدث، وفي المقابل لا يحدث مثل هذا الأمر إطلاقاً في شركات القطاع الخاص" (المصري اليوم 7 / 11 / 2007م).
وقبل الثورة بحوالي شهر خرج ساويرس بتصريح يؤكد فيه أن الخصخصة حققت تقدمًا في مصر، قائلا "إن القطاع العام أفلس مصر ومفيش مرة تفتح الجورنال إلا لما تلاقى 15 حرامى كلهم من القطاع العام". (اليوم السابع 18 / 1 / 2001 م).
وعلى نقيض موقفه تجاه حكومة نظيف، كان ساويرس معاديا لحكومة الدكتور عاطف عبيد (1999- 2004)، فعندما بدأت تلك الحكومة في بيع شركات الأسمنت المملوكة لقطاع الأعمال خرج ساويرس بفكرة اختصار طرح شركات الأسمنت علي المصريين فقط، ولكن رفض رئيس الوزراء آنذاك الفكرة، لأنه يعرف أن ساويرس يعلم حقيقة ركود السوق المصري في هذا الوقت فعرضها على السوق العالمية ولم يحصل سوى على شركة واحدة فقط، وقام لاحقًا ببيعها لشركة فرنسية. (جريدة الفجر العدد رقم 132).
ولم ينس ساويرس هذا الموقف فعندما خرج عاطف عبيد من الحكومة وتشكلت حكومة الدكتور أحمد نظيف، قال في مقابلة مع جريدة "المصري اليوم": "الناس في الحكومة كلها أسماء من عائلات، معروف عنها طيب وحسن السمعة وأولاد ناس، وجميعهم كانوا فرحانين إنهم سيعطون للبلد، فجميعهم كلهم أتوا بنية حسنة، وثانياً جاءوا بعد حكومة أطلق عليها وصف "الدمار الشامل" حيث قضينا أكثر من ٤ أو ٥ سنوات نتقهقر، وعندما تتحدث عن الدكتور أحمد نظيف بأنه رجل قادم من الـ أي تي ، فهذا معناه أن عقله منظم يعتمد علي المعلومات وأنا شخصياً لي تجربة معه عندما كان وزير الاتصالات ورأيت شغله، فاقتنعت أنه رجل ذكي ومنظم التفكير ومنفتح في الاقتصاد".
ولدى سؤاله عن تقييمه التجربة يقول "التجربة بكل سيئاتها، الحمد لله جيدة جدًا، طبعًا كانت هتكون أحسن لو الإعلام قلل من انتقاده الدائم، ويحضرني هنا كلمة المهندس رشيد محمد رشيد، عندما قال لسنا في حاجة لأن نكسر في أنفسنا ولا نصدر دائمًا الصورة التشاؤمية.. تصور أنا نفسي عندما أقرأ كل الكلام المكتوب وأنا مقتنع بمصر ومستقبلها بتأثر وبقول الدنيا خربانة" (المصري اليوم 18 / 7 / 2008 م).
وعلى الرغم من الليبرالية التي يؤمن بها، إلا أنه لم يخف تحريضه العلني ضد التيار الإسلامي في عهد النظام السابق، فكان دائمًا يطلب من الحزب "الوطني" التحالف مع الأحزاب الأخرى للوقوف ضد ما أسماهم بالمتطرفين ويقصد "الإخوان المسلمين".
ففي تصريح له، يدعو ساويرس جميع القوى السياسية والأحزاب للتحالف مع الحكومة والحزب الوطني لمواجهة القوى المتطرفة، وقال إنه أشار إلى حزبي "الوفد" و"الجبهة الديمقراطية"، الذي أنشأه أسامة الغزالي حرب باعتبارهما قوى ليبرالية يمكنها المشاركة مع الحكومة والحزب الوطني وتكوين ائتلاف يمكنه التصدي للتطرف.." (المصري اليوم 24 / 1 2009 م).
وبعد اندلاع ثورة 25 يناير، أبدى ساويرس العديد من المواقف التي تعكس رغبته بالإبقاء على الرئيس السابق بالحكم، خلافًا لمطالب الثورة بإسقاطه ومحاسبته، وأظهر ترحيبًا بالمحاولات التي قام بها للنجاة بسفينة النظام من الغرق.
فعند خطاب الرئيس السابق الثاني ظهر ساويرس ليقول: "لقد استجاب الرئيس مبارك لمطالب الشباب ويجب أن يكون هناك لحظة هدوء وطالب الرئيس السابق بالتنحي عن الحزب الوطني". (اليوم السابع 6 / 2 / 2011).
وعندما تم تعيين اللواء عمر سليمان نائبًا لرئيس الجمهورية ظهر ساويرس مع الإعلامية لميس الحديدي في برنامج "من قلب مصر" ليؤكد أنه يثق في اللواء عمر سليمان، نائب رئيس الجمهورية، ويراهن عليه في الفترة القادمة، وإنه يتوقع أن تجرى انتخابات نزيهة خلال الـ6 أشهر القادمة. (اليوم السابع 6 / 2 / 2011).
وعندما تم تعيين الفريق أحمد شفيق رئيسًا للوزراء، خرج ساويرس ليصفه بأنه رجل ذو قدر وكفاءة ويشهد له الجميع، وعندما تم تعيين الدكتور عصام شرف خلفًا له، أكد أنه صاحب قرارات جريئة لم تتخذ منذ 30 عامًا.
وقبل تنحيه بأيام ظهر ساويرس على قناة "بي بي سي" ليقول بأن الثوار لا يطالبون بتنحي مبارك وليس من أخلاق الثورة أن تتكلم بهذا الأسلوب عن مبارك الذي خدم البلد، وظهر على قناة "المحور" قبلها وهو يبكي ويقول "لا نفعل هذا مع مبارك"، لكن بعد تنحيه أكد "أن الديمقراطية ستبدأ من الآن وأن تنحي مبارك هو تاريخ حقيقي لمصر وأن شباب التحرير هم شباب مصر"، وبعد أن تم القبض على الرئيس السابق قال "ارحموا مبارك ولا تحاكموه".
وهو الأمر ذاته الذي عبر عنه بعد أن تم القبض على وزير الداخلية، قائلاً: عيب نتكلم كده ونبهدل راجل ولا ننسى أنه خدم البلد طوال حياته ! ويجب ألا ننشر أخبار القبض على مثل هؤلاء الرجال ..."، وصرح على قناة "اون تي في" المملوكة له ليقول بأنه يشك أن العادلي مسئول عن ما حدث في جمعة الغضب
.

الجمعة، 17 يونيو 2011

عامر شماخ يكتب : موجز بما جرى للإخوان على يد الطاغية المخلوع

عامر شماخ يكتب : موجز بما جرى للإخوان على يد الطاغية المخلوع

الكاتب : أنصار بورسعيد الأربعاء 15 يونيو 2011 الساعة 12:02 مساءً



هذه تذكرة، للإخوان ولغيرهم؛ لما جرى لأعضاء الجماعة على يد الطاغية المخلوع ونظامه البائد؛ لكيلا تنسينا سرعة الأحداث ما فعله هؤلاء الطغاة بأخلص أبناء الوطن؛ ولكيلا يدعي مدعٍ أن الإخوان نالوا حرياتهم أو كانوا في رغد العيش قبل ثورة التحرير
لقد اتجه مبارك إلى التهدئة عقب مجيئه إلى الحكم في بدايات الثمانينيات، مع الإخوان وغير الإخوان.. ولقد سُئل- في مستهلِّ حكمه- عن الإخوان فقال: "هناك حركة إسلامية في مصر، تفضِّل النضال السياسي على العنف؛ وقد دخلت هذه الحركة بعض المؤسسات الاجتماعية، واستطاعوا النجاح في انتخابات النقابات المهنية مثل الأطباء والمهندسين والمحامين" (تصريح مبارك لجريدة "لوموند" الفرنسية، أثناء زيارته لفرنسا عام 1993م- نقلاً عن جريدة الأهرام، يوم 1/11/1993م). 
ولكن بعد حوالي عشر سنوات من حكمه الفاسد كشَّر الطاغية عن أنيابه.. وكان نتيجة ذلك- باختصار: 
- اعتقال حوالي 50 ألفًا من الإخوان خلال مدة حكمه، منهم 30.000 أخ في العشر سنوات الأخيرة.. وقد صاحب هذه الاعتقالات: اقتحامات، وانتهاكات لبيوت وشركات أعضاء وقادة الجماعة، وعمليات تعذيب بشعة، ومنذ مطلع التسعينيات حتى رحيل هذا النظام المستبد، لم تخل سجونه ومعتقلاته يومًا من الإخوان!. 
- التضييق على أعضاء الجماعة في معايشهم ومشاريعهم، ومحاربتهم في أرزاقهم، وتعطيل شركاتهم؛ بتلفيق التهم أو إثارة الشبهات حولها. 
- مقتل أربعة من أعضاء الجماعة.. إذ اغتال النظام اثنين منهم داخل السجون، تحت التعذيب، واستشهد واحد في إحدى سيارات الترحيلات بعد تعمد وزارة الداخلية عدم إسعافه، أما الرابع فقد قُتل بقنبلة ألقتها قوات الأمن على المتظاهرين من أجل القضية الفلسطينية. 
- عقد سبع محاكمات عسكرية، منذ عام 1995م حتى عام 2006م، أحيل إليها 170 أخًا، تمَّ الحكم على 119 منهم بأحكام مشددة ومصادرة أموال بعضهم. 
- حاربة أي أنشطة للجماعة، خصوصًا أثناء الانتخابات، وملاحقة أفرادها، وتلفيق التهم لهم، ومنع تواجدهم على الساحة، باستخدام جميع الوسائل، المشروعة وغير المشروعة. 
- شن حملات قذرة؛ لتشويه الإخوان، بالكذب والافتراء عليهم، دون السماح بالرد أو توضيح الحقيقة. 
- منع الإخوان من السفر، ووضع العراقيل أمام أحكام القضاء التي تمنع تقييد حريتهم في الحركة والتنقل. 
لكن.. ما أسباب التحول في سياسة هذا النظام مع الإخوان؟ 
هناك عدة أسباب، أولها: خشية النظام من ظهور الإخوان كقوة سياسية قادرة على السيطرة على الساحة في أي انتحابات نزيهة، وقد وضح له ذلك جليًّا بعد اكتساح الإخوان الانتخابات التي جرت في النقابات، ونوادي التدريس، وفي الاتحادات الطلابية، ثم البرلمانية (1984م، 1987م). 
أما السبب الثاني، فكان أحداث الجزائر بعد إلغاء انتخابات ديسمبر 1991م، التي اكتسحت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ جولتها الأولى- وقد أدى ذلك إلى تفاقم المخاوف من الإخوان بوصفها حركة إسلامية قادرة على تكرار ما وقع في الجزائر.

والسبب الثالث، هو الضغوط الخارجية على النظام، الذي يمكن وصفه بالهشاشة، وعدم تبنيه مشروعًا وطنيًّا يجعل له أرضية شعبية، وهذه الضغوط كانت في شكل أوامر أمريكية صهيونية صريحة، بمنع تواجد الإخوان على الساحة، خصوصًا بعد تطورات القضية الفلسطينية، وظهور حماس- وهي أحد فروع الإخوان- كعقبة في طريق استحواذ الصهاينة على باقي أراضي فلسطين والتوسع فيما حولها من أراضٍ عربية، لتحقيق حلمها في دولة يهودية من النيل إلى الفرات. 
ولماذا لجأ نظام مبارك إلى إحالة الإخوان إلى القضاء العسكري؟ 
لجأ النظام إلى المحاكم العسكرية بعد يأسه من القضاء العادي في إدانة الإخوان، وتوقيع عقوبات بالسجن عليهم؛ ولكي يضمن: 
- سرعة الفصل في القضايا، وعدم إعطاء دفاع المتهمين الوقت الكافي للاطلاع على أوراق القضايا، أو مناقشة الشهود، أو الاتصال بالمتهمين. 
- إهدار حقوق المتهمين في حضور محاميهم التحقيقات، التي ربما جرت بعد منتصف الليل، كما حدث في القضية 5 لسنة 1995م. 
- عدم مساءلة من قاموا بتعذيب المتهمين؛ إذ لا يعتد في هذه المحاكم بإقرار المتهمين بأن أقوالهم تمَّ الحصول عليها بواسطة الإكراه. 
- عدم تعاطف الناس مع الذين يحاكمون؛ إذ تعقد هذه المحاكمات عادة في أماكن نائية، ويمنع الجمهور من حضورها، وربما عُقدت في ساعات لا تُعقد فيها المحاكمات العادية، ففي بعض القضايا بدأت الجلسات الساعة السابعة صباحًا، وانتهت الساعة التاسعة. 

ماذا كانت تفعل قوات الأمن عند اعتقال أحد الإخوان؟
كان هناك "سيناريو" يكاد يكون واحدًا عند القبض على أحد الإخوان:
- ففي ساعة متأخرة من الليل يفاجأ الأخ بطرقات عنيفة على باب بيته، يقوم على إثرها مفزوعًا، فيفاجأ بأعداد هائلة من قوات مكافحة الإرهاب، وقد حملت أسلحتها (الأوتوماتيكية) في وضع استعداد لإطلاق النار مع أي مقاومة (في أحيان كثيرة، قبل أن يصل الأخ إلى باب بيته ليفتحه لذلك الطارق المزعج، تكون تلك القوات قد كسرت الباب، وفاجأت الأخ وهو ما زال في غرفة نومه).. والهدف من هذا المشهد الإرهابي، هو-بالطبع- توصيل رسالة لجيران الأخ، الذين يكونون قد فزعوا من نومهم، فحوى هذه الرسالة: أن هذا الرجل- وإن كان ذا مكانة- إرهابي ومجرم لا يستحق التعاطف، ومن الأوْلى بهؤلاء الجيران أن يبتعدوا عنه، وألا يثقوا فيه، وألا يسمحوا لأولادهم بصداقة أولاده.

بمجرد دخول تلك القوات منزل الأخ، يحطمون أثاثه بصورة انتقامية واضحة، ويلجئون في أحيان كثيرة إلى بثِّ الرعب في نفوس الأطفال والنساء؛ بإهدار كرامة المعتقل أمام أهل بيته وأبنائه؛ إما بالتعدي عليه، أو حبسه في حجرة من الحجرات، أو تقييده، أو السخرية منه.

- سرقة ما خفَّ حمله وغلا ثمنه (أحد إخوان القليوبية، دخل إحدى حجرات بيته الواسع أثناء عملية القبض عليه، فوجد مخبرين اثنين يتشاجران على لعبة من لعب أطفاله، وزوجة أحد الإخوان ضبطت مخبرًا يسرق محفظة نقودها وبها مصروف البيت)، ولا تخلو قضية من قضايا الإخوان من أموال تمَّ نهبها، وما يتم نهبه يكون أكثر بكثير مما يتم تسجيله في محاضر الضبط.

- الانتقام من المعتقل بأي وسيلة، فإن كان أستاذًا جامعيًّا سرقوا أبحاثه الخاصة أو الأبحاث التي يشرف عليها (كما حدث مع الدكتور رشاد البيومي أستاذ الجيولوجيا)، وإن كان طبيبًا سرقوا ملفات مرضاه (كما حدث مع الدكتور أحمد سليم- أستاذ الأورام بقصر العيني).. وهكذا.

- شن حملات إعلامية موازية؛ لإرهاب الإخوان المعتقلين وذويهم ومَن يعرفونهم، وإلصاق تهم العنف وتلقي أموال من الخارج.. فهذه القضية تعرف باسم "قضية كتيبة الردع"، والقضية الأخرى تعرف باسم "قضية غسيل الأموال"، والقضية الثالثة "قضية تنظيم الخلافة".. وهكذا.
- عدم تنفيذ الأحكام الصادرة بالإفراج عن المعتقلين.

لكن.. لم تؤثر كل طرق نظام مبارك القمعية لتصفية الجماعة، أو تعطيلها عن حركتها.. لماذا؟!

بالفعل، لم ينجح نظام مبارك في تقييد حركة الجماعة رغم ما نالها من محاولات تصفية، وعمليات قبض واحتجاز وتعذيب لأعضائها، ورغم تفرغ جميع أجنحة الحكم لحرب الإخوان، بل إن النظام فوجئ بقدرة الجماعة الهائلة على الصمود، فلم تعد تجدي معها الاعتقالات والمحاكمات العسكرية، ولا السجون أو التضييق الأمني الرهيب.. بل أدى كل هذا إلى عكس ما هدف النظام إليه.. فقد تنامى وجود الجماعة، وقويت شوكتها، وفي ظلِّ هذا الجو الخانق استطاعت بالجهاد السلمي الدستوري، أن تشارك في نشاطات المجتمع المدني، وأن تحصل على غالبية مقاعد النقابات المهنية، ونوادي التدريس بالجامعات، والاتحادات الطلابية، واستطاعت الحصول على عدد من مقاعد البرلمان لم يستطع حزب من الأحزاب السياسية الحصول على عُشرها، خصوصًا في انتخابات 2005م.

وهذا راجعٌ إلى اختلاف مبادئ الإخوان عن مبادئ غيرهم من الناس؛ إذ لا ينتسب أحدهم إلى الجماعة ويبايع على العمل والحركة للإسلام- إلا إذا كان معترفًا بمشقات الطريق وعوائقه، وأن بلاءاته أكثر من أفراحه، وأن محنه أكثر من منحه.. ولأن الإخوان يعملون لغاية هي أزكى الغايات وأطهرها؛ فهم يصبرون على مشاق الطريق، ويتواصون فيما بينهم بالحق والصبر.. آملين الأجر من الله، راغبين في تعبيد الناس لله-عز وجل- ولو كان ذلك ينتقص من أموالهم وأعمارهم.

"والإخوان المسلمون يعلنون- دائمًا- استمرار مسيرتهم الدعوية، بكلِّ ثبات وإقدام؛ رغم الكيد والظلم، والعنف الذي يمارسه الظالمون عليهم، ولن يغيروا من منهجهم السلمي، مهما كانت الضغوط التي يتعرضون لها، ومهما كان التضييق والإقصاء الذي يمارَس في حقهم" (راجع البيان الصادر عن الإخوان في 20/6/2009م "موقع إخوان أون لاين").


من هم قتلى الإخوان الأربعة في عهد مبارك؟
- في 8 من نوفمبر 1981م قُتل كمال السنانيري، أحد قادة الإخوان، بعد تعرضه لتعذيب بشع بأوامر وزير الداخلية وقتها حسن أبو باشا، لقد شنقوه وادعوا انتحاره.. وشهد العشرات أن هذه الجريمة الدنيئة خطط لها النظام، ونفذتها ثلة من المجرمين الذين لا ضمير لهم؛ بسبب مواقف الشهيد الجريئة ضد الاستبداد والظلم.

- وفي يوم 3/11/2003م، مات تحت التعذيب، مسعد قطب، من إخوان الجيزة؛ حيث تم اعتقاله بمقر أمن الدولة بالجيزة (جابر بن حيان) يوم 31/10/2003م، وقاموا باستجوابه عدة مرات، ومارسوا ضده أشكالاً متنوعة من التعذيب، ورغم إثبات النيابة وقوع تعذيب شديد على الشهيد، إلا أن أحدًا من المجرمين الذين اغتالوه، لم يقدم إلى المحاكمة.

- وفي يوم 9 من يونية 2004م، فاضت روح المهندس أكرم زهيري، كان ضمن 58 معتقلاً من الإخوان، من رجال الأعمال والأثرياء؛ حيث صادرت سلطات الأمن أكثر من أربعة ملايين جنيه من بيوتهم وشركاتهم، إضافة إلى كميات كبيرة من الذهب، وقد تعرضوا للعنت الشديد أثناء اعتقالهم، ونُقل بعضهم من السجن إلى مقرات أمن الدولة للتنكيل بهم.. وكان أكرم مريضًا بالسكر، فمنعوا عنه العلاج، فساءت حالته، وقد حذر إخوانه ومحاموه من تطور حالته، لكن المسئولين زادوا في إهمالهم له، وأصروا على حضوره جلسات العرض على النيابة، وهو محمول على أيدي إخوانه.. حتى سقط منهم ميتًا يشكو إلى ربه ما فعله المجرمون.

- وفي 6/5/2005م، قامت قوات أمن الدقهلية بقتل طارق غنام، بمدينة طلخا، بإلقاء قنبلة مسيلة للدموع عليه، ضمن أعداد من الإخوان تظاهروا في أحد المساجد من أجل القضية الفلسطينية.


سمعنا ورأينا عن تجاوزات ضد الإخوان في أي انتخابات عامة كانت تُجرى في عهد مبارك.. هل من موجز لتلك التجاوزات، والطرق التي كان يتبعها النظام لإرهاب الإخوان؟

اعتبر نظام مبارك أيام الانتخابات، أيام حرب حقيقية مع "خصم عنيد"؛ لذا فإنه كان لا يتورع عن فعل أي شيء، يضمن له انزواء الإخوان عن الساحة، وتركها خالية له، يفعل بالشعب ما يشاء.

- فقبيل الانتخابات بشهور، يهيئ النظام الساحة إعلاميًّا لتشويه الإخوان، بالبرامج "حالة حوار- 2005م"، والمسلسلات "مسلسل الجماعة2010م"، والمقالات "راجعوا الصحف القومية والخاصة"، وتلفيق القضايا وإبرازها في صفحات الحوادث، إضافة إلى منع صحف الإخوان من الصدور، وحجب مواقعهم، وإغلاق دور النشر التي يملكها أفرادهم؛ كي لا يكون لهم لسان حال يتحدث باسمهم، أو يرد على الشبهات التي تثار حولهم.

- ثم يبدأ النظام في اعتقال مجموعات "بشكل رأسي"؛ ليحدث خلخلة في الصف، وليدخل في نفوس مَنْ لم يعتقلوا الخوف من مجيء الدور عليهم.. مع الحرص على مصادرة أموالهم وتخريب ممتلكاتهم.. وهذه المجموعات قد تصل إلى الآلاف: انتخابات 1987م "2500 معتقل"، انتخابات 2000م "5000 معتقل"، انتخابات 2005م "800 معتقل".

- اعتقال جميع من يشتبه في ترشحهم في الانتخابات.
- منع مؤتمرات الإخوان الانتخابية، ومنع مرشحيهم من الحصول على توكيلات لمندوبيهم ووكلائهم "الأمن استبعد 10 آلاف من مرشحي الإخوان في انتخابات المحليات عام 1992م".
- منع المرشحين من الحصول على الكشوف الانتخابية أو معرفة مقار اللجان.

-تحويل مقار اللجان إلى ثكنات عسكرية، وإرهاب كل من يبدي تعاطفه مع الجماعة، وفي بعض اللجان كانوا يمنعون من يشتبه في أنه سيعطي صوته للإخوان من دخول اللجنة من الأساس.

- القبض على وكلاء ومندوبي الإخوان إن وُجدوا في اللجان.
- استخدام الأمن للبلطجية والبلطجيات لإرهاب أعضاء الجماعة ومناصريهم والمتعاطفين معهم.

يقال إن نظام مبارك فرض قانون الطوارئ طوال فترة حكمه، لتطبيقه على الإخوان دون غيرهم.

هذا الكلام صحيح بنسبة كبيرة، وإن شئنا الدقة نقول: إنه فُرض على مدار ثلاثين عامًا "لمكافحة" الإسلاميين عمومًا، والإخوان على رأس هذا التيار العريض.. ولعل السنوات الأخيرة من عمر هذا النظام تؤكد ما نقول:

- ففي عام 2008م، تمَّ القبض على 7555 من قيادات وأعضاء الجماعة ثم حبس 2537 منهم بقرارات من النيابة، دون أن يحال شخص منهم إلى القضاء للمحاكمة، وبعد ذلك صدرت قرارات من النيابة بإخلاء سبيلهم، إلا أن هذه القرارات لم تنفذ إلا في حق 1803، في حين أصدرت الداخلية قرارات باعتقال 734 منهم، كما أن 462 آخرين صدرت قرارات باعتقالهم بعد القبض عليهم مباشرة، دون أن يتم التحقيق معهم من قِبل النيابة، ليبلغ عدد من صدر قرار باعتقاله طبقًا لقانون الطوارئ 1096 أخًا.

- وما يقال عن هذه السنة يقال عن سنتي 2009م، 2010م.. ففي 2009م تمَّ القبض على 5025 أخًا، وإغلاق 21 شركة مملوكة لأعضاء الجماعة، ومصادرة 15 مليون جنيه من أموالها.. وقد بلغ عدد المعتقلين طبقًا لقانون الطوارئ 3102 أخ.

- وفي سنة 2010م تم القبض على 6001 من قيادات وأعضاء الجماعة، وغلق 100 منشأة اقتصادية، ومنع العشرات من السفر.

وهذا ما جعل الإخوان مع كل تمديد لهذا القانون اللعين، ينددون به، ويؤكدون أن الشروط الدستورية التي تتيح تطبيق القانون منتفية في مصر، منذ زمن طويل، فهي ليست في حالة حرب، ولا توجد فتنة أهلية، ولا وباء عام منتشر في البلاد.

وقد أعلن الإخوان مرارًا، خلال سنوات العمل بالقانون.. أنهم لم ولن يكونوا في يوم من الأيام إلا دعاة خير، يبتغون مصلحة الوطن وأمنه واستقراره، ومصلحة الأمة ونهضتها ورقيها، يعملون لوجه الله، ولا يرجون من أحد غيره جزاءً ولا شكورًا.. "ولقد سبق أن نادينا كثيرًا أن اسمعوا منا ولا تسمعوا عنا، وأن قلوبنا وعقولنا مفتوحة لكل حوار، وأيدينا ممدودة للتعاون مع كل مخلص للوطن على البر والتقوى، ولكن للأسف لم يستجب لنا أحد" (في بيان للإخوان بعنوان "حول الهجمة الشرسة على الإخوان المسلمين" صادر في 16/1/2007م).


تعرض الإخوان في عهد الرئيس المخلوع لسبع محاكمات عسكرية.. هل من نبذة عن هذه المحاكمات؟

- أول محاكمة عسكرية للإخوان المسلمين في عهد الرئيس المخلوع، كانت القضية رقم (1995/8 جنايات عسكرية)؛ حيث تمَّ القبض على 49 من قيادات وأعضاء الجماعة في 2 من يناير عام 1995م، وذلك عقب اجتماع لمجلس شورى الجماعة بمركزها العام بالتوفيقية، وبعد عدة أشهر تم تحويل المجموعة إلى القضاء العسكري المصري، وكانت التهمة: إعادة إحياء جماعة محظورة.

والمحالون للقضية هم: عصام العريان، ومحمد علي العريشي، وإبراهيم البيومي غانم، وحسين إسماعيل عثمان، ومحمد عبده علي، ومحمود عبد الحميد الكيال، ومحمد سلامة أبو المكارم، وإبراهيم محمد متولي، وصبيح علي صبيح، وإبراهيم الزعفراني، وجمال ماضي، وعيسى عبد العليم، ومحمد عبد الغني حسنين، ورزق عبد الرشيد رزق، ومحمد عوض عبد العزيز، ومحمد عبد الفتاح الشريف، وجمال عبد الناصر حسين بطيشة، وياسر محمد علي قاسم، ومحمود مصطفى البنداري، وبشير العبد محمود، وسعد عصمت الحسيني، ومحمد بسيوني القصبي، وأحمد محمود إبراهيم، ومحمد طه وهدان، ومحمد حسن إبراهيم فرج، وأحمد محمد فرج عثـمان، وعبد الخـالـق حـسـن عبد الوهاب، وعلي عز الدين ثابت، ومحمد خيرت الشاطر، وحسن الجمل، ورشاد نجم الدين، ومحمد عبد العزيز الصروي، والسيد نزيلي، ومحمد عبد اللطيف طلعت، ومحسن راضي، ومحمد حسين عيسى، وأمين الطاحوري، ومحمد محسن سويدان، ونبيل يوسف حجازي، ومحمد حبيب، وعبد الرحمن عبد الفتاح، وطلعت الشناوي، وعلي حسن الدالي، وعاشور سليمان غانم، ومحمد فـؤاد عبد المجـيـد، وسـيـد عـسـكـر، ومصــطـفـى عبد الحليم حجازي، ومحمود السعيد الديب، وعبد الله طه وهدان.

وانتهت القضية بالحكم على 34 ممن أحيلوا للقضاء العسكري، بالسجن لمدد تتراوح ما بين ثلاث وخمس سنوات، ونال 15 شخصًا ممن أحيلوا في ذات القضية البراءة.

- أما المحاكمة الثانية، فهي القضية رقم (1995/11 جنايات عسكرية)
-  كانت في 23 من نوفمبر عام م1995 واعتقل فيها 33 قياديًّا في الجماعة، حُكم على 20 منهم بالسجن بمدد تتراوح ما بين الثلاث والخمس سنوات، وحصل 13 معتقلاً على البراءة، وكان الحكم بخمس سنوات من نصيب الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والدكتور محمود عزت.

والمحالون للقضية هم: محمود السيد بسيوني، وحلمي مصطفى حمود، ومحسن القويعي، ومحمود عزت، وسعد زغلول العشماوي، وأنور شحاتة، وعلي متولي، ومحمد غريب عبد العزيز، والسيد عبد الستار المليجي، ومحمد سعد عليوة، ولاشــيـن عـبد الله أبو شنب، وحسين شحاتة، ومحيي الدين زايط، ومحمود حسين، وعبد المنعم أبو الفتوح، وحلمي الجزار، وعبد الله محمد عبد الله، وفهمي محمد محمد عامر، وطلعت محمد فهمي، ومصطفى إبراهيم محمود حلمي، وجمال ماضي، وأسامة مسعد محمود، وسعيد أحمد عبد الرحمن، وحامد محمد المداح، ومحمد أحمد شحاتة، وعبد العزيز زويل، ومتولي صلاح عبد المقصود، والسيد مصطفى سمك، وعلي أحمد محمد عمران، ومحمد خيري حسين، ومحمد محمد مليجي، وعلي حسن محمد، ومحمد قاسم عبد الرحيم.

- أما المحاكمة الثالثة، فهي القضية رقم (1995/13 جنايات عسكرية)
كانت في 30 من نوفمبر 1995م، حيث اعتُقل ثلاثة من أعضاء الجماعة، حُكم على اثنين منهم بالسجن لثلاث سنوات وبُرِّئ الثالث.

- أما المحاكمة الرابعة فهي التي عُرفت بقضية حزب الوسط، وهي رقم (1996/5 جنايات عسكرية)

- حيث تمَّ اعتقال 13 من قيادات ورموز الجماعة على رأسهم محمد مهدي عاكف.

والمحالون للقضية هم: الدكتور عصام حشيش، والدكتور عبد الحميد الغزالي، والدكتور جمال عبد الهادي مسعود، والدكتور رشاد البيومي، والدكتور مصطفى طاهر الغنيمي، ومجدي العارف أنور، ومحمد إبراهيم بدوي، ومحمود أحمد العريني، ومحمود علي أبو رية، وعبد العظيم المغربي، وحسن جودة عبد الحافظ، ومحمد مهدي عاكف، وأبو العلا ماضي.

حيث حُكم على ثمانية من المحالين للقضاء العسكري بثلاث سنوات وأطلق سراح 5 من المعتقلين على ذمة القضية، تمت القضية على إثر التقدم بأوراق لتأسيس حزب سياسي تحت اسم حزب الوسط في 10 من يناير 1996م والذي تمَّ رفضه من قبل لجنة الأحزاب في 13 من مايو من العام ذاته.

أما المحاكمة الخامسة فقد عُرفت بقضية النقابيين، وهي القضية رقم (99/18 جنايات عسكرية)
حيث تمَّ اعتقال 20 من أبرز الناشطين النقابيين، وذلك عام 1999م.

أصدرت النيابة العسكرية قرارها بإحالة المتهمين إلى المحكمة العسكرية العليا في 12 من ديسمبر 1999م، وانتهت فصول القضية في جلسة 19 من نوفمبر 2000م بإصدار أحكام تراوحت ما بين ثلاث وخمس سنوات على 15 من المحالين للقضاء العسكري، فيما تمت تبرئة 5 من المعتقلين.

أما الذين حُكم عليهم بخمس سنوات فهم: محمد بديع سامي، وسعد زغلول العشماوي، وأحمد الحلواني، والذين حُكم عليهم بـثلاث سنوات هم:

مختار نوح، ومحمد علي بشر، ومدحت الحداد، وعبد الله زين العابدين، وخالد بـــدوي، وهشـــام الصـــولي، وسيد هيكـــل، وأحمد شوقي عماشة، وأحمد عبد الرحيم عبد الحفيظ، وعاطف السمري، وإبراهيم السيد حسين، وعبده البردويل.

والذين برأتهم المحكمة هم: أحمد محمود حسن، وأحمد أبو الأنوار، ومحمد سعد عليوة، وعلي عبد الرحيم عبد الحفيظ، وإبراهيم رشيدي.

- أما المحاكمة السادسة فقد عُرفت بقضية أساتذة الجامعات، وهي القضية رقم (2001/29 جنايات عسكرية) حيث تم اعتقال 22 من رموز وقيادات الجماعة في 6 من نوفمبر 2001م عقب مظاهرة بالجامع الأزهر من أجل فلسطين، وبعد أسبوع من الاعتقال صدر قرار جمهوري في 13 من نوفمبر بإحالتهم إلى القضاء العسكري.

أصدرت النيابة العسكرية قرارها بإحالة المتهمين للمحاكمة أمام المحكمة العسكرية العليا في 26 من نوفمبر 2001 م، وتمت المحاكمة في 19 جلسة استغرقت ما يقرب من 8 أشهر، تمت المحاكمة فعليًّا خلال ثلاثة أشهر منها فقط، صدر الحكم في 30 من يوليو 2002م بالسجن بمدد تتراوح ما بين ثلاث وخمس سنوات على 16 من المعتقلين، بينما برأت المحكمة 6 منهم.

أما الذين حُكم عليهم بخمس سنوات فهم: محمود غزلان، وعبد المنعم البربري، وماجد الزمر، وطاهر عبد المنعم، وأسامة أبو شادي.

والذين حُكم عليهم بثلاث سنوات هم: أحمد عبد الحليم سعفان، وحسين الدرج، وصلاح الدين محمد أحمد حسن، ومأمون عاشور، ومحيي الدين الزايط، وشرف الدين محمود، ومحمد عزيز الزمر، ومحمد الأكحل، ومحمد إمام، ومحمد هشام عيسى، وسيد شيبة.

والذين برأتهم المحكمة هم: أحمد علي جمعة، ومحمد القصاص، وخالد حنفي فهيم، وأحمد العبد، وحمدي شاهين، ومحمد محمود منصور.

- أما المحاكمة السابعة والأخيرة في عهد الرئيس المخلوع فهي القضية رقم (2007/2 جنايات عسكرية)
حيث اعتقلت مباحث أمن الدولة في 14 من ديسمبر 2006م عددًا من قيادات الجماعة على رأسهم خيرت الشاطر، وحسن مالك، ومحمد علي بشر، وتتابعت حملة الاعتقالات في القضية على خمس حملات كان آخرها في 14 من مارس 2007م في قضية حملت رقم 963 لسنة 2006م.

جاءت القضية على خلفية العرض الرياضي الشهير الذي أقامه طلاب الإخوان في جامعة الأزهر الشريف، وهم يرتدون ملابس وُصفت بأنها ملابس عسكرية.

في 5 فبراير 2007م صدر قرار رئيس الجمهورية بإحالة القضية إلى القضاء العسكري، وأصدرت النيابة العسكرية قرارها بإحالة المتهمين إلى المحكمة العسكرية العليا في 23 أبريل 2007م.

استمرت المحاكمة لأكثر من 70 جلسة سرية مُنع عنها الإعلام تمامًا، بدأت في 26 من أبريل 2007م وانتهت بصدور الحكم في جلسة 15 أبريل 2008م بعد أن تأجل النطق بالحكم لثلاث مرات.

حُكم على 25 من قيادت الجماعة بالسجن لمدد تتراوح ما بين الثلاث والعشر سنوات، بتهم غسيل الأموال والانتماء لجماعة محظورة. وبُرئ 15 من المعتقلين.

وكانت تفاصيل الأحكام بالسجن كالتالي:
- 7 سنوات لاثنين من المعتقلين هما: خيرت الشاطر (النائب الثاني للمرشد العام)، حسن مالك.

- خمس سنوات لخمسة من المعتقلين هم: أحمد شوشة، وصادق الشرقاوي، وأحمد أشرف، ود. أحمد عبد العاطي، وأسعد الشيخ.

- ثلاث سنوات لثلاثة عشر من المعتقلين هم: محمد علي بشر (عضو مكتب الإرشاد)، وممدوح الحسيني، وفريد جلبط، وضياء الدين فرحات، وصلاح الدسوقي، وفتحي محمد بغدادي، وأيمن عبد الغني، وعصام عبد المحسن، ومحمود أبو زيد، ومصطفى سالم، وسيد معروف، وعصام حشيش، ومدحت الحداد.

- براءة خمسة عشر من المعتقلين هم: خالد عودة، وسعيد سعد علي، ومحمد مهنا حسن، ومحمد حافظ، ومحمد علي بليغ، ومحمود المرسي، وأحمد عز الدين، وجمال شعبان، وياسر عبده، ومحمود عبد اللطيف عبد الجواد، وأسامة شربي، وأمير بسام، وعبد الرحمن سعودي، وأحمد النحاس، وحسن زلط.

- 10 سنوات لخمس قيادات كلهم خارج مصر هم: يوسف ندا، وعلي غالب محمود همت، وإبراهيم الزيات، وفتحي الخولي، وتوفيق الواعي.

- مصادرة أموال كلٍّ من: خيرت الشاطر وحسن مالك في شركتي "مالك" وفروعها و"رواج" وفروعها، ومصادرة نصيب حسن مالك في شركة "الأنوار"، ومصادرة نصيب خيرت الشاطر وأحمد عبد العاطي في شركة "الحياة للأدوية"، ومصادرة نصيب أحمد أشرف في "دار التوزيع والنشر الإسلامية".

"الإسلام والحكومة الدينية".. دراسة للأستاذ عمر التلمساني

"الإسلام والحكومة الدينية".. دراسة للأستاذ عمر التلمساني

الكاتب : أنصار بورسعيد الخميس 16 يونيو 2011 الساعة 09:40 مساءً





الحكومة الدينية شعار جديد بدأ يتردد على صفحات الجرائد بأقلامٍ لا يجهل أحد اتجاهاتها الفكرية، وميولها المذهبية، شعارٌ لا عهدَ للإسلام به، ولا يعرفه، بل ويُنكره، مبنًى ومعنًى؛ ذلك لأن الإسلام لا يعرف في تعاليمه رَجلَ دِين، وغير رَجُل دِينٍ، أو رَجُلٌ دَيِّنٌ ورَجُلٌ غير دَيِّنٍ، إنْ صحَّ في الأذهان مثل هذا الهُراء، فهل لي أن أتصور مفترضًا أن أصحاب هذا الشعار، يترآى في أذهانهم حال السلطة البابوية في القرون الوسطى، يوم أن كان البابا والمطارنة والقُسس يحللون ما يشاءون، ويُحرِّمون ما يشاءون، ويُدخلون الجنةَ من يريدون، ويقذفون في النار مَن يكرهون، يوم أن كانت صكوك الغفران والحرمان وشلح الناس من الكنيسة وبركاتها ورضاها، يوم أن كان غضب البابا على أي أميرٍ أو ملك كفيلاً بإثارة شعبه عليه وإشاعة الفزع في أوصاله.

أجلْ، وإلا فما كان لهم أبدًا أن يكتبوا للناس شيئًا اسمه الحكومة الدينية، ويخوفونهم منها، زعمًا منهم أن هذه الحكومة الدينية ستنتهي إلى مثل هذه الحكومة المسيحية في القرون الوسطى، من تمزقٍ وحروبٍ وحرمان وتكفير.



ما كان لهم أن يضعوا هذا الوصف، إذا كان حديثهم عن حكومة تحكم بشرع الله، الذي لا يقبل في الإسلام سواه.


إن هذه الصورة لا وجودَ لها في الإسلام على الإطلاق؛ لأن الله سبحانه وتعالى ساوى في الإسلام بين الناس جميعًا، رجالاً ونساءً، ساوى بينهم في كل شيء من ناحيةِ الحقوق والواجبات، وبين الحاكم والمحكوم، لا فضل لشيخ الأزهر- مثلاً- على بوابِ الجامع الأزهر، ولا فرق بين رئيس الجمهورية وبين الحارس الذي يقف على بابه، إلا في أمرٍ واحد جاءت به الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: من الآية 13)، وعرف المسلمون هذه الحقيقة وتعارفوا وتعاملوا بهذ الميزان، فرسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول لابنته السيدة فاطمة: "اعملي فإني لا أغني عنكِ من الله شيئًا"؛ أي رغم أني رسول الله وأقربهم منه وأحبهم إليه، فإن مكانتي هذه لا تنفعكِ بشيءٍ عند الله ولكن ينفعكِ عملكِ، ويقول للناس: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (الكهف: من الآية 110) ويؤكد هذا المعنى بأن يطلب صلى الله عليه وسلم من المسلمين أن يستقيدوا منه، إذا مسَّ أحدهم بسوء، وحاشاه، صلى الله عليه وسلم.

ومعنى هذا أنه وهو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورئيس الدولة ومفتيها، لا يملك لهم من الله شيئًا، وأن مكانته هذه لا تبيح أن يشقَّ عن صدور الناس ليعلم خباياها، وأنه يكفيه منهم أن يقولوا لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ليحقنوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وبهذه الصورة ينتفي تمامًا أن الرسول نفسه، صلى الله عليه وسلم، لا يحلل ولا يُحرِّم إلا طبقًا لما يُجيئه به الوحي من لدن رب العالمين، وأنه لا يملك أن يُدخلَ أحدًا الجنة أو يحرمه منها، ما دامت أوامر الله منفذة، ونواهيه مجتنبة، إذا كان ذلك كذلك، فكيف يبيح مسلم لنفسه أن يصف الحكومة التي تُطبِّق شرع الله، أنها حكومة دينية، وهو يقصد متعمدًا أن ينفر الناس من حكومة تشريعها مستمد من كتاب الله وسنة رسول، صلى الله عليه وسلم، والإجماع، وما انتهى إليه فقهاء العقيدة الإسلامية عند الكلام التشريعي في الدين الإسلامي، الدين الذي ارتضاه الله لعباده يوم أن قال جل وعلا: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) (آل عمران: من الآية 19) يوم أن قال: إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تعبَّد به عباده وغير مرفوض (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران: من الآية 85).

وعلى هذ الصورة الدقيقة سار الخلفاء الراشدون من بعده، لم يدعوا لأنفسهم قداسةً، ولم يقولوا إن ذواتهم مصونة لا تُمس، ولم يختصوا أنفسهم بمزايا لا تستمتع بها الرعية، بل إنهم يعترفون صراحةً بأنهم ليسوا خير المسلمين، فهذا أبو بكر يقول في أول خطبةٍ له عقب توليه الخلافة: "وليتُ عليكم ولستُ بخيركم، فإن استقمتُ فأعينوني، وإن انحرفتُ فقوموني".

وما أظن بعد ذلك من دليلٍ أقطع على أن الحكومة الإسلامية تدعي لنفسها، ما ادَّعاه البابوات وخلفاؤهم وأتباعهم، ومن مزايا ترتفع بهم فوق مستوى الآخرين من أتباع الكنيسة، بل لما سمع أبو بكر بنات الحي الذي كان يُقيم فيه في أعلى المدينة، يندبون حظَّهم بعد توليه الخلافة، فيقلن: يا حسرتنا.. مَن سيحلب لنا منائحنا بعد أن تولَّى أبو بكر الخلافة؟؟ فيطمئنهن ويقول لهن: إني سأبقى على حالي معكن قبل أن أتولى الخلافة.

أهذا هو رئيس الحكومة التي تُحرِّم وتحلل وفق هواها، مدعيةً حقًّا ليس لها؟! أهذه هي الحكومة التي يخشاها أصحاب شعار الحكومة الدينية، خالطين بين العقيدة والشريعة؟! أهذا هو الحكم الذي يُنفرِّون الناس منه لحاجةٍ في صدروهم، ما عادت تخفى على أحدٍ من المسلمين أو غيرهم. إنها محاربة شرع الله الذي لا يبقي على فوارق بين الطبقات إلا بتقواه.

إن الأمر في هذه الصورة لم يقتصر على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصاحبه أبي بكر، رضي الله عنه، فها هو عمر بن الخطاب يعرض نفسه وهو أمير المؤمنين على الرعية، طالبًا منهم تقويم اعوجاجه، فيصيح أحد الرعية قائلاً ومتحديًا: لو وجدنا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا، فلا يغضب أمير المؤمنين رئيس الدولة ولا يثور، ولا يعتقل، بل يرد سعيدًا منشرحَ الصدر: "الحمد لله الذي جعل في أمةِ محمد مَن يقوِّم اعوجاج عمر بسيفه".

أهذه هي الحكومة التي تسمونها دينية وتخشون حكمها؟؟ أم في خيالكم أشباح الماضي السحيق الذي قرأتموه في التاريخ، ثم تحكمون على كل حكومةٍ تُطبِّق شرع الله، أنها حكومة دينية على هذا الغرار الذي تترآى أشباحه في أذهانكم!! أليس من الإنصاف أن تجعلوا للتاريخ الإسلامي نصيبًا في تقديراتكم مساويًا على الأقل لتصوراتكم في حكومات البابوية!!

إني أعيذكم أن تكونوا متعمدين تشويه صورة حكومة تحكم بما أنزل الله، أيًّا كان سيرها في الرعية، ولئن انحرف التطبيق أحيانًا فإن الأصل ثابت لم يتغير، فشرع الله كفيلٌ بتوفير الأمن والأمان والحرية والرخاء.

وجاء عثمان بن عفان بعد الشيخين، فحصلت في أواخر حكمه قلاقل، وحاصره بعض المناوئين له في داره، وأرسل إليه الصحابة يعرضون حمايته وتفريق المجتمعين، فيأبى تاركًا أمره لبعض شعبه يفعل به ما يريد، هذا هو الحاكم المسلم الذي لا يستعدي بعض شعبه على البعض الآخر، مضحيًا بحياته فداءً لوحدة الأمة، وعدم التقائها بسيوفها من أجله.

أهذه هي الحكومة التي تسمونها الحكومة الدينية، وتخشون أن تُحكم البلادُ بما أنزل الله، وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم؟! أتجدون في عالمكم المتحضر حاكمًا يقف موقف ذي النورين من شعبه؟؟ لماذا هذا التعصب؟؟ وهذا التحامل على حكومةٍ تحكم بشرع الله، فتطلقون عليها من الأوصاف والأسماء، ما لا يعرفه ولم يسمع به الإسلام في تاريخه الطويل العريض؟! سيبقى شرع الله، وسينفذ ولو بعد حين فوفروا على أعصابكم احتراقها وعلى أقلامكم تهاويها.

وتولى علي- رضى الله عنه وكرَّم الله وجهه- الخلافة، وضربه أحد المتعصبين بخنجر مسموم، وأراد بنوه أن ينتقموا ويثأروا، فأبى عليهم مذكرًا بشرع الله الذي يطبقه في رعيته، وقال ما معناه: "إن شفيتُ ففي عقوبته التعزير، وإن متُ فلا تأخذوا فيَّ سواه واحذروا المُثلة".

أرايتم أسلوب الحكومة التي تحكم بما أنزل الله في شئون الرعية؟؟ هذا الجلال تنكرونه وترفضونه؟!

أما الحاكم الذي يُدبِّر مؤامرة وهمية لاغتياله لخلع شعبية مضللة على حكمه، فيعتقل الآلاف ويعذب وينتهك ويقتل مئات المئات لمجرد جريمة شروع في قتل؟! مثل هذا الحاكم تمدحونه وتحتفلون بمولده ووفاته؟؟ أهذه هي معايير التقدير والإنصاف عند الكتاب المثقفين المتحضرين؟!

إن أمركم لم يعد خافيًا على أحد، وإن أهدافكم مآلها البوار؛ لأنها أوهام مغرضة، ولن يبقى على الأرض إلا ما ينفع الناس، وما من شيء ينفع الخلق ما ينفعهم تطبيق شرع الله الذي تحاولون تشويهه بتلك الأوصاف التي لا وجود لها إلا في عقول مريضة بداء كراهية الحكم بشريعة الإسلام، ويا له من داء وبيل، لن تبرأوا منه إلا بالتوبة والإقلاع عنه لعل الله يهيئ لكم من رحمته مرفقًا.

لست أدري، هل عن عمد أو غير عمد، تسكتون عن مقومات ونظام وأسلوب الحكومة الدينية؟؟ ما هي؟؟ وما الأخطار التي تنجم عن توليها الحكم؟! وإذا كان الإسلام في تاريخه كله لا يعرف هذا الشعار ]شعـار الحكومة الدينية[ فلماذا تصرون على إلصاق هذا الوصف على كل مَن يطالب بحكومة تطبق شرع الله في هذا البلد المسلم؟!

كان جديرًا بكم أن تشرحوا للناس مفهومكم للحكومة التي تسمونها بالحكومة الدينية، وأنتم لا ينقصكم العلم والدراسة والكفاءة في الشرح والبيان. هل تسمون كل حكومة تطبق شرع الله في عباده، حكومة دينية؟! إذا كان هذا قصدكم لماذا لا تُفصحون عنه؟؟ وأنتم لا تنقصكم الشجاعة الأدبية في شرح آرائكم وأهدافكم ومناهجكم؟! قولوا لنا في وضوحٍ حتى نتبيَّن ما عندكم، فلعلنا نقتنع أو نقنع، فنلتقي على أمرٍ سواء نسد به ثغرة من الثغرات المتفتحة على المسلمين من كل جانب.

إن الحكومة التي تخشونها سبقت الحكومات التي تتغنون بها، فإن كانت هناك جمهوريات رئاسية وأخرى نيابية، فقد عرفت الحكومات التي تطبق شرع الله وزارة التفويض ووزارة التنفيذ، فلماذا تعجبكم تلك وتنكرون هذه؟! أهي المقارنة العادلة، أم هي الكراهية المردية تشجَّعوا وأفصحوا يا فرسان القلم، ويا غزاة الفكر بكل غربي ينال من الإسلام.

إننا نقرأ عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونقرأ له، ونحن مؤمنون بكل ما نُقل عنه، صلى الله عليه وسلم، عن طريق الأحاديث الحسنة الصحيحة والمتواترة، هذا الرسول الذي نلتزم بكل ما صحَّ عنه يقول لنا: "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تُودع منهم".. هل أرايتم أوضح من هذا في وجوب التزام الحكومة الإسلامية بالعدل والشورى، واجتناب الظلم والانفراد بالرأي؟! ووجوب قيام الشعب بواجبه نحو إلزام الحاكم بالتزام العدل والكف عن ظلم الرعية، ماذا يُراد من الحكومة والشعب اللذين يلتزمان بهذا المنهاج القويم؟؟ أليس هذا بأفضل من الانفراد بالرأي في ظلِّ الحكومات التي عانينا من ظلمها واستبدادها منذ عشرات أو مئات السنين؟؟ لماذا تسمون هذه الحكومات بالحكومات الدينية؛ تنفيرًا للناس من حكومة تُطبِّق شرع الله، إن الرسول الذي يحضنا على هذا السمو في التعامل بين الرعية وحكومتها الإسلامية، وحق الشعب في المطالبة بحرية الرأي والكلمة، فيقول: "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يدفع رزقًا، ولا يُقرِّب أجلاً".

حكومة هذا الرسول الذي يقول هذا القول، تسمونها حكومة دينية؛ تشنيعًا وتشهيرًا وتنفيرًا. لماذا؟؟ ارحموا أنفسكم، واشرحوا لنا مبررات ما تقولون وإذا كانت الحزبية والمجالس النيابية ضمانًا للحرية، فإن الإسلام لم ينكر فكرة الشورى، ولكنه أمر بها، وترك لكل عصرٍ أن يضع الشكل الذي تتم به الشورى؛ طبقًا للتطورات والأحداث التي تستجد جيلاً بعد جيل.

إن الحكم الذي يطبق شرع الله كفل الحرية التطبيقية للشعوب، ومنع الحاكم من التجسس على أفراد الرعية، وفي ذلك يقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "إن الحاكم إذا ابتغى الريبة في الرعية أفسدهم"، وقد عجز عمر بن الخطاب عن إقامة حدِّ الخمر عندما وصل إلى ذلك عن طريق التجسس، ودخول المنازل دون إذنٍ من أصحابها.

إذا تحدد هذا، وثبت أن علماء الإسلام الصالحين كانوا يواجهون حكام المسلمين بأخطائهم وظلمهم، واثقين بأنه ليس لهم في الدنيا ما يخافون الحاكمَ من أجله، وليس عند الحاكم في الآخرة ما يرجونه له، إنهم كانوا يُحذِّرون الحاكم من بطانة السوء، الذين لا ينصحونه حرصًا على الدنيا.

وإذا ثبُت أن الحاكم المسلم مقيدٌ بشرع الله الذي لا يظلم ولا يحابي ولا يجور.. ثبت على وجه القطع واليقين أن الحكومة الإسلامية، التي اخترعوا لها اسم الحكومة الدينية، هي خير الحكومات على وجه الأرض.

إذا ثبت هذا كله- وهو ثابت لا شك ولا جدال- انهارت حجج الكارهين لحكم الإسلام، تحت شعار الحكومة الدينية، مثل واحد من آلاف الأمثلة على التعامل بين الحاكم والمحكوم في الدولة التي تنفذ شرع الله، جاء أعرابي إلى أبي بكر يقول لقد أصبت صيدًا وأنا محرم؟ فالتفت أبو بكر إلى أُبي بن كعب، وكان حاضرًا مجلسه هذا، وقال له: ماذا ترى يا أُبي؟ فاستشاط الأعرابي غضبًا، وقال مؤاخذًا أبا بكر: جئتك وأنت خليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اسألك، فإذا بي أجدك بدورك تسأل؟ فلم يغضب أبو بكر ولم يقابل ثورته بمثلها ولم يعنفه، ولكنه قال له، وفي غاية الهدوء: يا أخي إن الله يقول: }فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ{ (المائدة: من الآية 97) فاستشرت أخي حتى إذا ما أجمعنا على شيء، أمرناك به.

فهل رأيتم فيما قرأتم مثل هذا الموقف السامي الجليل في الحوار بين حاكم عادل، ومحكوم متعجل؟؟ قولوها واضحة ماذا تريدون، حتى يعرفكم الناس على حقيقتكم، وحقيقة موقفكم من الإسلام، أم أنكم تهاجمون شرعنا كما تشاءون حتى إذا شرحنا لكم ووضحنا وأبنا الخطأ في موقفكم، لطمتم الخدود على الحرية المهدرة، وشققتم الجيوب خوفًا من الإرهاب الفكري، وغير ذلك مما تخترعه أفكاركم المسممة بكراهية الإسلام وكل ما ينتسب إليه. هداني وهداكم الله.

لعل أكبر الأسباب التي دعت هؤلاء الناس، إلى ابتداع شعار الحكومة الدينية، هو فزعهم من ظهور المدِّ الإسلامي، ويوم أن أهاب الإمام الشهيد حسن البنا أول مرشد للإخوان المسلمين، يوم أن أهاب بالمسلمين أن أمتكم خير أمةٍ أخرجت للناس، تهدي وتصلح وترشد وتُقِّوم وتقوي، كي يستعيدوا مكانهم على الأرض عزةً ومنعةً وتقدمًا ورقيًّا وحضارة، منذ ذلك الحين وصرخات محمومة، بأقلام مريبة على صفحات من الجرائد التي تشكك في كل ما هو إسلامي، محذرًا الناس من قيام ما يسمونه خداعًا بالحكومة الدينية، قياسًا على الحكومة البابوية.

إن الحكومة الدينية تعبير مستحدث لم يرد في كلام ومؤلفات أي واحد من فقهاء المسلمين، الذين عنوا بالحكم ومقوماته، إنهم لم يعرفوا شيئًا اسمه الحكومة الدينية، ولكنهم تعرَّضوا لحكومة تطبق شرع الله، وهو المطلب الذي ينادي به الإخوان المسلمون منذ قيامهم بدعوتهم الطاهرة النقية البريئة، إنهم تحدثوا عن حكومة يتساوى أمامها خلق الله جميعهم، حاكمهم ومحكومهم، لا يتفاضلون إلا بمقدار تقواهم لربهم العلي القدير، تأسيسًا على أن كل مسلم هو رجل دين، فحكومته حكومة إسلامية؛ لأن أشخاصها مسلمون متدينون، حتى ولو جرف بعضهم شيء من الانحراف أو الأهواء.

لقد كان في الإسلام حكام ظلمة طغاة، حدثنا عنهم التاريخ في كتب السير، وقد كان من بينهم الحجاج بن يوسف الثقفي، ولكن هؤلاء الطغاة كانوا رجَّاعين إلى الحق إذا ما ألقى به أمام أعينهم، ولم يكونوا كالظلمة الذين يسَّبح النفعيون بحمدهم، والذين لا يرجعون إلى الحق مهما كان واضحًا وجليًّا.

وهكذا يقوم الفارق قاطعًا للشك بين حكام يطبقون شرع الله، حتى ولو ظلموا، حتى ولو سميتم حكومته بالحكومة الدينية، وبين حكام لا يطبقون شرع الله مهما أطلقتم عليهم من صفات العدالة والإنصاف والحريات. إنه لا عدالة بمعناها الصحيح إلا في شرع الله، ولا إنصاف بمعناه السليم إلا في شرع الله، ولا حرية بمعناها الشامل الكامل الذي يحفظ كرامة الفرد ومصلحة المجتمع إلا في شرع الله. إنها حقيقة ناطقة شكلاً وموضوعًا مهما حاول أصحاب الأهواء أن يلقوا عليها من ظلال أو غبش.

إن في الناس عقولاً تفهم فتقدر فتحكم، وهذا ما يمزق أغراض المغرضين، بعد ما رأوا أن المد الإسلامي أخذ طريقه بعون الله محطمًا في طريقه كل ما يعترضه من عقبات كتابية أو دعائية، والله غالب على أمره إن كانوا لا يعلمون. وبارك الله في هذا الجيل الصاعد الطامح الذي لا يرضى إلا بدينه، وشرع الله، قرآنًا عن الحجاج ومظالمه، فانظر إليه كيف يخضع للحق إذا ما ووجه به في جرأة واعتداد. أرسل الحجاج إلى بشر بن يعمر يقول له مهددًا: أأنت الذي تزعم أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله، وأن ذلك في كتاب الله، وقد قرأت كتاب الله كله فلم أجد، فرد عليه بشر بن يعمر متحديًّا: أقرأت سورة الأنعام عند الحديث عن سيدنا إبراهيم عليه السلام: }وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلًا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ{ (الأنعام: الآيتان 84،85) وأنت تعلم أن عيسى ليس من ذرية إبراهيم فماذا تقول؟! فلم يسع الحجاج إلا أن يخضع للحق، فيرسل إليه: أن صدقت.

هذه صورة بسيطة من صور حكام المسلمين حتى الظلمة منهم، الحكام الذين تسمون حكومتهم بالحكومة الدينية تشكيكًا للمسلمين في نصاعة شرعتهم الربانية. فحسبنا الله ونعم الوكيل منكم، وستعلمون غدًا أي منقلب تنقلبون.

إن الإسلام لا يعرف شيئًا اسمه حكومة دينية في سياسته لأمور الرعية، فلو سلمنا جدلاً بشعار الحكومة الدينية، على شريطة أن تحكم بما أنزل الله وما قرره رسوله عليه عليه الصلاة والسلام، ما الذي يضير لو قامت حكومة بهذا الشرط أيًّا كان اسمها؟! ما الأخطار التي يتعرض لها الوطن والمواطنون؟!

إن الإسلام بيَّن حقوق الحاكم والمحكوم، كما بيَّن واجباتهما على السواء؟؟ لا شيء على الإطلاق إلا ما يتبجح به هؤلاء الكتاب من انحرافٍ لبعض حكام البلاد الإسلامية، الذين يدَّعون أن حكومتهم إسلامية. إن العيب ليس عيب الإسلام، ولكنه عيب الحكام الذين يدَّعون تطبيقه، وهم أبعد ما يكونون عن هذا التطبيق التزامًا وسلوكًا وتنفيذًا، إنني لا اتهم هؤلاء الكُتَّاب في عقيدتهم ولا أجرؤ على إخراجهم من دائرة الإسلام، إلا إذا أنكروا معلومًا من الدين بالضرورة.
إن اتهام المسلم في عقيدته جرأة على الله، لا أقربها، ولا أحب لأحد بأن يرددها، مهما ارتكب من المعاصي. وهنا أقول: إن الاجتهاد لم يقفل بابه إذا توفرت شروطه، التي أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، نقلاً عن كتب الأصول:
1- العلم بالدلالات.
2- العلم بظهور المعنى وخفائه.
3- العلم بالمشترك.
4- والعام والخاص.
5- والمطلق والمقيد.
6- والمنطوق والمفهوم.
7- والأمر والنهي.
8- والناسخ والمنسوخ.
9- والحكم عند تعارض الأدلة.
10- عادات العرب وعلاقة التشريع بها وبكل حالاتهم الاجتماعية.
11- أسباب نزول الآيات.
12- ورود الأحاديث.
13- والمتن والمسند.
14- الإحاطة الكافية باللغة العربية.
15- واختلاف اللهجات.
فهل توفَّر شيء من هذا عند المتعرضين للكلام في الإسلام بحجة الاجتهاد، فيحللون ويحرمون ويبيحون ويمنعون ما لم ينزل به من الله برهان؟؟ لا يا سادة، فإن التعرُّضَ لهذه المعضلات ليس بالأمر المباح لكل من هبَّ ودبَّ، وقال يا رب مدعيًّا الاجتهاد.

إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حدد الحاملين للعلم في هذا المجال فقال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"، وأنتم في هذه الناحية، لستم عدوله، لا طعنًا في كفاءاتكم، ولكنكم درستم النظريات والآراء الوضعية بتوسع وإتقان، ولم تدرسوا من الإسلام وعلومه إلا القشور، بدليل ما تكتبون عن الإسلام.

ويوم أن جاء إلى المدينة مَن يدعى صبيغ، وأخذ يناقش في المتشابه، وبلغ ذلك عمر بن الخطاب، استحضره وقال له: من أنت قال: أنا عبد الله صبيغ، قال عمر: وأنا عبد الله عمر، وأخذ يضربه بعراجين النخل على رأسه، حتى صاح الرجل: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد ذهب الذي في رأسي، فنفاه من المدينة.

وفي غاية الإيجاز أعرض للحكومة الإسلامية، ودورها في الحكم، استكمالاً للموضوع، فإن صحَّ ما أقول، فانزلوا عند كلمة الحق، وإلا فصفحات مجلة (الدعوة) تستقبل وتنشر لكم كل ما تريدون، وللأمة الإسلامية أن تقول كلمتها، ثم الرأي الأعلى والأول والأخير لمن بيده ملكوت كل شيء.. (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) (الأحزاب: من الآية 4).

الحكومة الإسلامية، هي التي تُطبِّق شرع الله كاملاً غير منقوص، فهل لأحدٍ على هذا اعتراض، مقدرةً أن التحريم والتحليل ليس إليها، ولكنه لله، وأنها لا تملك إدخال أحد الجنة أو قذفه في النار، وأن مسئولية الحاكم أمام الله أضعاف مسئولية أي فردٍ من رعيته، فهو إذا جار أو ظلم كان أتعسهم حظًّا يوم القيامة، وهو إن استقامَ وعدلَ كان أوفرهم أجرًا يوم الحساب.

ليس من حقِّ الحكومة الإسلامية أن تعتقل أو تحبس أو تُعذِّب أو تقتل أو تؤمم أو تصادر أو تستولي على مال أحد، إلا في حدود ما أباح لها الله ذلك، وأنها تصرف سياستها في حدود ما أنزل الله، في حكمةٍ ودقةٍ تتناسب مع ظروف العصر وملابساته، كل ذلك داخل حدود الحل والحرمة، وقد ثبت هذا عملاً.. فرسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي جاء بعقيدة التوحيد، صلى إلى الكعبة وعلى سطحها ما يزيد على الثلاثمائة صنم؛ لأن الوضع كان يقتضي ذلك، وجاء أبو بكر فحارب مانعي الزكاة خشيةَ أن يهتز أساس تشريع الزكاة في نفوس المسلمين، وفي ذلك من الإضرار بالمجتمع الإسلامي ما فيه، وتبعهما عمر بن الخطاب، فأوقف حد القطع في أعوام الرمادة، كما استخدم بعض الذميين في بعض شئون الدولة، وجعل في دواوينه الكثير من الروم؛ لأن المسلمين لم يكونوا قد تمرَّسوا بمثل تلك الأعمال حينذاك.

أليست هذه إنجازات رائعة للحكومة الإسلامية؟؟ ولقد انتبه العالم المتحضر أخيرًا إلى أهمية النقابات في الدفاع عن حقوق أفرادها، ورأوا ذلك قمة في العدل والإصلاح، فقد سبقتهم الحكومات الإسلامية في هذا المضمار بمئات السنين؛ إذ كان لكل أبناء حرفة في الدولة الإسلامية نقيب، يرعى مصالح أبناء حرفته، فهذا حي النحاسين، وهذا حي المغربلين، وهذا حي الفحامين، وغيره وغيره وغيره، ترى أي نقص يعتري دولة تحكم بشرع الله، بعد أن كانت أستاذة لدول العالم المتحضر في كل شيء. حتى الطرقات كان لها نظام، والحوانيت والدكاكين كذلك.

وطالما نبَّه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المسلمين لحقوق الطريق، وقد قام عمر بن الخطاب بإزالة كل الميازيب التي تطل على الطريق، ووضع الحكام المسلمون بعد ذلك اللوائح والقوانين التي تحمي مصالح الأفراد العاجلة، ولعل من هذا القبيل نظام المحتسب ونظام قاضي السوق. أكل هذا تغفلونه فلا تذكرون إلا أن الحكومة الدينية شيء فظيع؛ لما ترونه من بعض الانحرافات في بعض الدول أكثرها تقوم على الأغراض الملتوية، والشائعات غير الصحيحة، انظروا إلى حكم الله وشرعه، ولا تنظروا إلى من انحرف فتعتبروه مقياسًا تقيمون عليه محاربتكم لتطبيق شرع الله، بمثل شعار الحكومة الدينية. اللهم أنر بصائرنا حتى لا نرى سواك فنخضع له ونتبع أوامره ونجتنب نواهيه.

ماذا تنكرون على حكومة إسلامية يقول نبيها، صلى الله عليه وسلم،: "والذي نفس محمد بيده لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، ولتأخذُنَّ على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربنَّ الله بقلوبِ بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم"، ويقول: "ما من قومٍ يُعمل فيهم بالمعاصي، هم أعز وأكثر ممن يعمله، لم يغيروه إلا عمَّهم الله بعذاب".

ومن أعز وأكثر من الحكومة القائمة بالأمر، أتنكرون هذه الحكومة؟ وترضون حكومة تحمي البغاء! وتبيح القمار وتفسح المجال للحانات والكباريهات؟! إن قلتم نعم، فأنتم أهل فسق، وإن قلتم لا فأي شيء تنكرون؟!

إن الإسلام يهتم بالأمة في مجموع تشكيلها، ويرضى بالحكم الذي يطبق شرع الله وما دام مستقيمًا ولو في الظاهر على الأقل لا يجاهر بمعصية. ومعنى هذا أن الفوارق الطبقية لا وزن لها أمام تقوى الله. فقد كان أبو بكر تاجر حبوب، وعمر تاجر أقمشة، ومع ذلك فقد حكموا الأغنياء وسادة قريش وغيرهم من العرب والروم والعجم عن طريق الاختيار. وبلغ من دقة الإسلام في التنظيم ووحدة الكلمة وجمع الشمل أن أوصى الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالتأمير في حيز الثلاثة؛ حيث يقول ما معناه: إن كنتم ثلاثة فأمروا عليكم واحدًا منكم. وليس بعد هذا من نظرة أسمى وأدق من هذه النظرة، في حفظ الاستقرار ورعاية المصلحة.

الحكومة صاحبة هذا التنظيم البدهي يسميها المغرضون بالحكومة الدينية، لا لشىء إلا تشكيكًا في صلاحية الإسلام وتشريعة لحكم البلد المسلم؛ خوفًا من أن يحاسبهم الحاكم بشرع الله على احتساء الخمر ولعب الميسر، وانتشار الفحشاء التي يحرصون على انتشارها عن طريق كل أجهزة الإعلام، في وقاحة وتحدٍّ لكل أوامر الله جل وعلا، ومشاعر المسلمين المقهورين على تقبل هذا السوء الذي تحميه حكوماتهم، وأنا لا أغالي، فقد كتب الكثيرون من الصالحين في هذا الأمر، وألحوا في المطالبة بتغير هذه البرامج ولكن لا استماع ممن بيدهم هذا التغير.. وماذا عسى أن نسمي مسئولاً يرى شرر المعاصي يتطاير من تلك الأجهزة، فلا يعمل على أخماده، هو يسمع صراخ الصالحين المصلحين فلا يستجيب، وكأن في عينيه رمادًا وفي أذنيه صممًا.

إني وربي لأخشى، تحت هذا الفهم أن تدركنا النذر التي تحدث عنها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عنه ابن عمر: "والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأعوانًا خونة، وعرفاء ظلمة، وقُرَّاء فسقة، سيماهم سيماء الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف، أهواؤهم مختلفة، فيفتح الله عليهم فتنة غبراء مظلمة فيتهاوكون فيها".. "والذي نفس محمد بيده، لينقضن الإسلام عروة عروة، حتى لا يقال الله.. الله".. "لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم يسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم".. "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم".

حقًّا إني أسال الله ضارعًا ألا تدركنا ويلات هذا الحديث بسبب ما تكتبون مناهضين لقيام حكومة إسلامية تحكم بما أنزل الله؛ محتجين بشعار الحكومة الدينية.

الحكومة الإسلامية، التي تعرف واجبها، وتقدر مهمتها، تأخذ الإسلام على أنه عمل جاد، ودأب متواصل، لتقويم حضارة فاضلة عزيزة منيعة، مليئة بالروحانيات والأخلاق، وليسود في العالم سلام ضلَّت طريقه كل الدول التي تتغنون بأمجادها وتاريخها، وكأنما الإسلام لا أمجادَ له ولا تاريخ!!

ما أتعس حظ أمة، يتنكر بعض مفكريها لأدوارها الماجدة في هذه الحياة، يتنكرون لأمةٍ حافظت على الحضارات القديمة، بترجمتها لكتب المنطق والاجتماع والفلسفة، التي أوصلت الغرب إلى ما هو عليه، بعد أن أهملنا كل أسباب العزة والإبداع، وليس للإسلام ذنب في ضعف أبنائه؛ لأنهم هم الذين تنكروا لتعاليمه؛ فعمهم الضعف والفقر والمرض.

لم يحدثنا التاريخ عن أمة رحيمة مجيدة، ما حدثنا عن الحكومات الإسلامية في تعاملها مع خصومها ومحاربيها، إن الحكومة الإسلامية إذا حاربت لم تُحارب إلا دفاعًا عن حقها في تبليغ كلمة الله إلى الناس أجمعين، وفي حربها لا تتجاوز المعنويات الإنسانية الحقة، فهي تدفع الأعداء بمثل ما اعتدوا به بلا إمعان في الانتقام، لا تنتهك حرمة، ولا تعتدي على عرض ولا تتبع الفارين، ولا تُجهز على المجروحين، ولا تعذب المأسورين، مَن الذي لا يرضى عن قيام حكومة إسلامية على هذا الغرار، إلا عديم الإحساس، سقيم الوجدان؟!.

ما الذي يزعجكم من قيام حكومة إسلامية؟ تطبق دستورًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، دستورًا لا يميل مع الأهواء، ولا يخضع للنزوات والأغراض، تنزيل من لدن حكيم عليم، إن ترك التشريع للبشر ظلم ما بعده ظلم، ذلك أن الظلم من شيم النفوس، فإذا شرع الفرد، فهو ناظرٌ إلى مصلحته أو مصلحة طبقته، أما شرع الله فهو لمصلحة البشر جميعهم، مسلمهم وغير مسلمهم؛ ليسود السلام في ظل سيادة العقيدة.

إن الفرد مُعرَّض للجهل أو الحمق أو الغرور أو التعصب أو الظلم، فأي ضمان لترك التشريع لمن هذا هو حاله؟ لقد قامت في مصر دساتير وضعية، أنكرها الجميع أو الأغلبية الساحقة، ثم ألغيت دستورًا بعد دستور، وكل حاكم يأتي بدستور يُمكِّن له في الحكم، ويفرده بالتصرف في شئون الرعية، مهما ذكر فيه من حرية وأمان، ولقد ذقنا الأمرَّينِ من كل هذه الدساتير، هل يترك التشريع لعامة الناس، ولهم أهواء، وفيهم شطحات، وبينهم خلاف، وهم أوزاع، فمن أين تأتي عدالة التشريع في مثل هذه الصورة؟؟! أيُترك التشريع لمجلس الشعب، وفيه الـ51% والـ49%، مَن يضمن عدم تحكم فريق ضد فريق؟ ولقد لمسنا بأنفسنا، ما عادت به هذه النسب من عداوات بين أهل الوطن الواحد، كل ذلك بحجة تذويب الفوارق، وتكافؤ الفرص، والقضاء على التفاوت الطبقات، وهي الأمور التي حرص الإسلام على تثبيتها وتدعيمها بأعدل تشريع وأدق نظام.

ومن هنا يتبين وجوب أن يكون التشريع صادرًا من جهة لا تظلم ولا تحابي، إنها الذات العلية، التي أوجدت هذا الكون بما ومَن فيه، ذات علية تعلم ما يضرُّ وما ينفع، ذات لا تنزل إلى الأرض ولكنها تُرسل الرسل ومعهم الكتب والموازين التي تخرج الناس من أدغال الاستبداد إلى بساتين الحرية والأمان، تُخرجهم من الاستعلاء إلى المساواة، ومن الأثرةِ إلى الإيثار، ومن الكسل إلى العمل، ومن التواكل إلى التوكل، ومن الخيانة إلى الأمانة، ومن الحضيض إلى القمة، ومن الذلة إلى العزة، أليس من صالح الناس، ألا تتحكم طبقة في طبقة؟؟ أليس من صالح الشعوب والأمم، أن يتوحد مصدر تشريعها، حتى لا تتخالف أهواؤها، وتقوم المنازعات والحروب بينها؟؟ ما عيب حكومة إسلامية تسير هذا السير الحميد؟! أهذا خيرٌ أم التقلب في مختلف الدساتير بين حين وحين؟! أنرضى بالخضوع لبشرٍ مثلنا، ونتعالى على الخضوع لمن خلقنا ورزقنا وأبدع تكويننا، وفي يده وتحت سلطانه كل شيء؟! كيف تفكرون يا جهابذة؟!

وماذا تريدون يا دعاة التقدم ولا تقدم؟!! أليس ثبات التشريع بصفة مستمرة خير من تغير الدساتير حينًا بعد حين، في حين لا جدال في تشريع رباني ولا موازنة بينه وبين تشريع وضعي.

إن المال الذي من أجله يتحارب الناس، قد بين إدارته والتصرف فيه صاحبه، وحدد للحكومة الإسلامية وجوه الإنفاق والتداول والتعامل، إن كان في يدها أو يد أحد أفراد من شعبها، لقد قرر الله في كتابه أن المال مال الله، وأن الناس مستخلفون فيه، فهو إذًا حق لكل أفراد الشعب وفيه حق معلوم، للسائل والمحروم، وبهذا تندك حجة الرأسماليين والاشتراكيين والشيوعيين، أو ما شئت من أسماء ومسميات، هذا المال الذي تستبيح من أجله الحكومات الظالمة، كل حق وعدل، وفق أهواء حكامها ونزواتهم.. دماء وحروب وظلم واغتصاب واستبداد وخراب وتدمير.

إن هذا المال ملك للغني الحميد، والحكومة الإسلامية تلتزم بما يأمر به صاحب التشريع العليم الخبير، فالعدالة إذًا قائمة، والاجتهاد الفردي له ضوابطه.. يغتني الغني كما يشاء، ما دام يغتني من حلال، ويتصرف فيه كما يشاء حسبما يروق له ويحلو، ما دام يؤدي حق الله فيه، بلا سرفٍ ولا إسراف، ولا رعونة ولا جهالة، وينبني على ذلك أنه ليس في ظلِّ حكم الحكومة الإسلامية فقر مدقع أو مجاعات؛ لأنه إذا جاع المسلمون فلا مالَ لأحد، أإن قامت فينا حكومة إسلامية على أساس من هذا المنهاج الجليل الجميل، نشكو لطوب الأرض، من خطر قيام حكومة إسلامية ؟! ترى ماذا أقول لكم، وأنا الحريص على مشاعركم، المصدق لإسلامكم، إني لا أطالبكم إلا بشيء من الإنصاف، والتجرد من كل دافع، إلا ابتغاء وجه الله.

في كل دولةٍ من دول العالم أقليات، فهل يمكن للباكين، أن يتحدّوني بأن هناك أقليةً تستمتع بما تسمتع به الأقليات في ظل الحكومة الإسلامية؟ أم أنهم يبكون دون مبرر للبكاء؟ إنى لا أتعرض لنياتهم، فذلك أمر مرده إلى الذي يعلم السر وأخفى، ولكني لا أرضى لهم هذا البكاء، وهذا من حقي، إعمالاً لحرية الرأي، التي بلغت في ظلِّ الحكومات الإسلامية، مستوى لن ترقى إليه مجتمعات اليوم؛ وذلك أن القوي الأقوى، الكبير الأكبر، الذي لا حدَّ لقدرته وسلطانه، ترك الحرية المطلقة لعباده الذين خلقهم ورزقهم في الإيمان به أو عدم الإيمان به فقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾، وليس بعد هذا حرية لإنسان، إن الأقليات منذ بدء التاريخ إلى اليوم، لم تسعد بأمن واستقرار وحرية عبادة، وحرية معاملات شخصية ومالية وعقيدية، كالذي سعدت بها في ظل الحكومات، الإسلامية، ولولا الإسلام وحكوماته، لما بقى يهودي واحد على وجه الأرض في العصور الوسطى، هل هناك دولة قوية متحضرة بها أقلية مسلمة، عينت مسلمًا وزيرًا من بين وزرائها؛ ولكننا نرى في ظلِّ الحكومات الإسلامية، مسيحيين أو أرمن تولوا رئاسة الوزارة والوزارات ورئاسة مجلس النواب، وتملكوا العديد من العمارات والآلاف من الأفدنة، بل لا أكون مغاليًا إذا قلت إنه جاء وقت على مصر كان كل المستوردين للأقمشة بالجملة، كانو جميعًا من اليهود.

إن القانون الذي يُطبَّق على الأغلبية هو هو بحذافيره الذي يُطبَّق على الأقليات في تكافؤ الفرص وتولي الوظائف من أصغرها إلى أكبرها، بلا تفرقةٍ ولا تمييز ولا إجحاف، إنك لترى عشرات المسلمين في مكاتب وعيادات ومستشفيات المسيحيين بلا حساسية، إذا اعتدى مسلم على غير مسلم عُوقب بمثل ما يُعاقب في اعتدائه على مسلم.

 وقد روى الحسين بن محمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل مسلمًا بكافر، وقد ضرب عمر بن الخطاب ابن والي مصر، لأنه ضرب قبطيًّا، هذا إلى أن الحكومات الإسلامية قمة في تنفيذ المعاهدات، والالتزام بمراقبة بنودها نصًّا وروحًا.

لقد أمرنا قرآننا أن ننبذ إليهم على سواء، وأن نفي بالعقود أيًّا كانت هوية الذي تعاقدنا معه أو عاهدناه ووفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ببنود صلح الحديبية أكبر شاهد على ذلك.

موضوع المرأة الذي يقيمون الدنيا دون أن يقعدوها، حسرة على حالها في المجتمع الإسلامي، وضياعها فيه، وهضم كل حقوقها، وجعلها في زوايا الإهمال والنسيان، هل هم حقًّا جادون في ذلك؟ هل قرءوا عن مكانتها في الإسلام، فوجدوها الجنس المضيع المحتقر؟ فقاموا يدافعون عنها، ليجعلوها في مكانة المرأة الغربية تبذلاً واستهانةً بكل القيم الفاضلة!!.

مهلاً يا سادة.. إن المرأة في ظل الحكومة الإسلامية، لها مثل الذي عليها بالنسبة للرجل، كن يفتين ويتصدرن مجالس العلم، ويعلمن ويروين الحديث وينشرن الدين في كل الأوساط والمناسبات، خرجت الصديقة بنت الصديق لتحجز بين فريقين متقاتلين من المسلمين، ويتردد عليها الكثيرون من الرجال سائلين ومستفتين ومستبينين، وكانت زينب بنت أم أبي سلمة أفقه نساء عصرها، وكانت إحدى نساء بني أسد- ولا يحضرني اسمها الآن- تدخل بيوت المشركين لتبلغ الدعوة إلى النساء حتى ضاق بها المشركون فنفوها من مكة.

المرأة المسلمة تتصرف في مالها كيفما تشاء دون التوقف على إذن من زوجها، وتعمل في المجالات التي تتناسب مع أنوثتها، وتكوينها الطبيعي.

كانت امرأة عبد الله بن مسعود تعمل للإنفاق على زوجها وأولادها، وكانت أم المؤمنين زينب بنت جحش تعمل في الأدم الطائفية الممتازة، وتبيع وتتصدق، ونعم لهوها في بيتها المغزل، وليس "الريميل" و"الروج" و"المانكير"، ألا ترضى أن تحتفظ المرأة بعفافها وطهرها؟! لقد قرأت من بين ما قرأت أن المرأة لا يمكن أن تماثل الرجل في كل شيء؛ لأنها تخالفه في التركيب العضوي، كما ثبت علميًّا أن أنسجة جسم الرجل تختلف عن أنسجة جسم المرأة، وأن كل خلية في جسم الأنثى تحمل طابعًا أنثويًّا.

إن القول بمساواة الرجل بالمرأة، مخالفٌ كل المخالفة الطبيعية الربانية، إن الإسلام يساوي بينهما في الحقوق والواجبات، أما في مجالات العمل وضروب الحياة فلا.

المجتمعات التي يسمونها راقية تقدم المرأة على الرجل في الدخول والخروج والمناسبات، ويُقبِّل الرجل هناك يد المرأة، ولا تُقبِّل المرأة يد الرجل، ويقف الرجل للمرأة في المواصلات لتجلس مكانه، لماذا كل هذا؟؟ قطعًا وبلا شك لأن هناك فوارق بين المرأة والرجل، ولكنه الجفاف العاطفي نحو الإسلام، أزيد على هذا أنني قرأت أن الإحصائية التي نشرتها هيئة الأمم المتحدة سنة 1959م أثبتت أن العالم يواجه مشكلة الحلال والحرام، فيما يختص بالمواليد، ففي بنما مثلاً جاوزت هذه النسبة 75%، وأن نسبة الأطفال غير الشرعين قد تصل إلى حدِّ العدم في البلاد الإسلامية.

هذا السمو الرائع في المجالات، الخلقي والاجتماعي والعقدي، جديرٌ أن يحفزنا على المطالبة بقيام الحكومة الإسلامية التي تُطبِّق التعاليم الإسلامية على وجهها الصحيح.

قد يتوهم البعض من هؤلاء أن تقدم الأمم الغربية، راجعٌ إلى هجرها لدينها وتعاليمه، وأن الأمم الإسلامية تأخرت بسبب تمسكها بدينها، وهذا وَهْمٌ لا يقوم إلا في أذهان لا ترتاح إلى دينها، والحق أن العالم الغربي ما يزال متمسكًا بدينه، فالكنائس عامرةً بروادها، ويوم الأحد له اعتباره في نظرهم والبابا له قداسته والإرساليات التي تُبشِّر بالدين المسيحي تملأ الأرض وينفق عليها الملايين.

فالدين إذًا ليس هو السبب، حتى ندعي أن مَن ترك دينه تقدَّم وعز وعلم، ومَن تمسك بدينه انحط وزل، وجهل، لا.. إنما الغرب أعطى العلم قدره فنفعه العلم، وأهمل المسلمون فمنحهم الجهل، ولو قامت فينا حكومات إسلامية تُعطي العلم النافع، ما أعطاه له الإسلام، لما كان هذا حالنا، ولما كان فينا مَن يعارض قيام الحكومة التي تحكم بما أنزل الله.

الإسلام رفع العلم وأهله إلى أعلى المستويات، فقد شهد الله لنفسه بالوحدانية وأشهد معه في هذه الشهادة الملائكة وأولى العلم، وهو الغنى عن شهادة خلقه أجمعين؛ لأنه واحد واجب الوجود، شهد الناس أو أنكروا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ (آل عمران: من الآية 18) كما عطف جل جلاله العلم على الإيمان في رفعة المكانة وعلو المنزلة الرفيعة: ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: من الآية 11) كما فرق بين العالم والجاهل: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: من الآية 9) وقد استفاضت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاهتمام بالعلم، ورفع مكانة العلماء، فقال: "من طلب علمًا فأدركه كتب له من الأجر ما كتب، ومن طلب علمًا فلم يدركه، كتب له كفل من الأجر"، وقال: "خلق الله أربعة أشياء بيده، ثم قال لسائر الحيوان كن فكان... القلم والعرش وجنة عدن وآدم عليه السلام"، وقال: "طالب العلم بين الجهال، كالحي بين الأموات" وقال: "من طلب العلم كان كفارةً لما مضى" وغير ذلك من مئات الأحاديث.

ولو أن الحكومات الإسلامية أعطت العلم النافع حقَّه من العناية والاهتمام، لما وجد مَن ينكر قيام الحكومة الإسلامية، إننا نرسل أبناءنا إلى الكليات الغربية دون أن نحصنهم بقدرٍ وافٍ من العلوم الدينية، فتبهرهم المظاهر الغربية من القوة والحضارة فيظنون مخطئين أن السبب في ذلك هو الدين، وهذا عين الجهل والخطأ.

ما أظن أحدًا يجهل ما كفله الإسلام للعمال والأجراء من الحقوق التي لا تصل النقابات إلى معشار ما كفله الإسلام منها، فإما أن نكون مؤمنين بالله، وهذا يقتضي الالتزام بما أنزل، وإما ألا نكون كذلك، فلا شأن لنا بكم؛ لأنكم إذا لم تقتنعوا بما قاله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلن يقنعكم كلامي ولا البلايين من أمثالي.

إن الفارق بيننا وبينكم أننا نُقدِّم الدليل النقلي على العقلي، ونلتزمه وننفذه، مهما حاول العقل غير ذلك، ونؤمن بأنه لن تتعارض حقيقة علمية صحيحة مع نص قرآني أو حديث شريف؛ لأننا طلاب حق لا طلاب جدل، ونحن نربأ بديننا أن ننزله منزلة الحوار بين تقدمية ورجعية، أو بلغة العصر بين الأوضاع الحديثة والأوضاع القديمة.

إن شرع الله ليس معرضًا للبحث؛ لأنه الحق الذي لا مراءَ فيه ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)﴾ (الأحزاب: من الآية 4) وما عداه باطل بطلانًا ظاهرًا وباطنًا، ونحن لسنا على استعداد للحوار بين الحق وباطل ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران: من الآية 7) وإن كانت القوة تنقص أصحاب الحق في أيامنا هذه فالحق سيظل حقًّا، مهما ضعف المستمسكون به ويبقى الباطل باطلاً ولو ناصرته قوى الأرض المادية جميعًا ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)﴾ (الإسراء) ولا شك أن الباطل زهوق.

إن الحكومات الإسلامية، لا تسمح لأحد بالتطاول على شرع الله والادعاء بأنه قاصرٌ عن متطلبات العصر، وعليها أن تُسكت كل مَن ينال من هذا الجلال؛ لأن حرية الرأي تقف عند حدِّ الإلحاد وإنكار الذات، وعند فصل الدين عن السياسة، وبئست الحرية حرية تبيح لكائنٍ مَن كان، أن ينكر على الله تشريعه القويم، إن الحكومة الإسلامية التي تسمح بهذا العبث في العقيدة، هي أول ضحايا هذا العبث المقيت.

لن تقوم في الكون حكومة تحرس الحرية وتسهر على حمايتها، مثل الحكومة الإسلامية تأمينًا وتطمينًا وهدوءًا واستقرارًا لكلِّ المواطنين على مختلف مللهم ونحلهم.

إن الحرية ليست حقًّا فحسب، ولكنها عنصر من عناصر الحياة الفاضلة العزيزة، إنها منحة الله لعباده، وليست منحة من مخلوق لمخلوق.. الحرية شيء تلقائي للبشر، فكما تهضم المعدة الطعام دون أن يكلفها أحد بذلك من تلقاء نفسها- وحسبما أعدها الله لذلك- فكذلك الحرية نعمة ربانية هيأها الله لإسعاد عباده حتى لا يطغى أحد على أحد، أو يبغى عليه، فمن يحارب الحرية لا يسلب الناس حقًّا، ولكنه يحول بينهم وبين عنصر من عناصر الحياة كالهواء والماء، سواء بسواء، فإذا تقرر أنه لا حياة لإنسان بغير طعام ولا شراب، كذلك لا حياة لفرد أو مجتمع أو شعب بغير حرية.

إنني لا أنكر نور العقل وتأثيره في الحياة، ولا أهمل جانبه أبدًا؛ لأنه الفرق بين الإنسان المدني بطبعه والوحش الضاري بفطرته، إن العقل مناط التكليف في الإسلام، ولكني أتحدث عنه بهذه الصورة، إذا ما قام من يقدمه على تشريع رب العالمين، فواجب العقل أمام شرع الله.. الخضوع والتسليم والالتزام: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾ (النساء)، والحكومة الإسلامية تلتزم هذا المعنى تمامًا، وتخرجه إلى الناس عملاً محسوسًا، حتى ينتفع الناس بهذا الفيض العظيم، ولو أن الحكومات الإسلامية عنيت في برامجها التعليمية والتربوية بدراسة الإسلام عناية دقيقة مستفيضة كما تعنى بنظريات دارون وسقراط ومن إليهما مما يعرف عنه طلبتنا أكثر مما يعرفون عن دينهم، لو أنها فعلت هذا في جد وإخلاص وأدب لوجدت في الإسلام من مقومات الحضارة الحقة، والقوة العادلة الدافعة غير الباغية ما يغنيها عن اللجوء إلى أي مصدر آخر، إنها بهذا تخرج عدالة زاهية منصفة، تحرر الناس من الجهل والخوف والأوهام والخزعبلات. ولكنها لا تفعل!!، لماذا؟! لو أن الحكومات الإسلامية حرصت على إنزال شعوبها عند تعاليم كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق والمعاملات، ولم تقتصر في مناهجها على ما تستورده من مصادر غير إسلامية، ظنًا منها أن ما عندهم خير مما عند الله لوصلت بالمسلمين إلى أعلى مكان أدبي ومعنوي في الوجود.

الحكومة الإسلامية يقوم بها حاكم، أساس تصرفاته المادية والمعنوية شرع الله، أما الحاكم غير المسلم فتقوم كل تصرفاته على دساتير وضعية، قابلة للتغيير والتبديل حسب الظروف والملابسات، كما شاهدنا في الدساتير التي عايشناها، فهي تلغي بالكلية مرة مع التشنيع عليها والتشهير بها، مع أنها كانت في وقت من الأوقات صنمًا لا تمس بنوده، إن الحاكم المسلم عليه رقابة من الله، رقابة لا تخفى عليها خافية، فهو على وجل منها دائمًا، إلا من طمس الله على قلبه، رقابة قادرة فعلاً على البطش بمن يجور أو يظلم ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾ (البروج)، أما غير الحكومات الإسلامية فعليها رقابة من دساتيرها، التي يمكن التحايل على مخالفة نصوصها أو تغييرها وفق أهواء الحاكم المتسلط، وشتان بين الرقابتين- رقابة تُخْضِع، ورقابة تَخْضَع- والعدالة في الحكومة الإسلامية أصل مقرر مع النطق بالشهادتين، وبغيرها تتجرد الحكومة من صفة الإسلامية، وهنا سر الجلال، فالحكومة الإسلامية يقظة واعية حذرة، والفرد مدين لها بالطاعة والاحترام في معصية، وورد في الأثر أنه لا توبة لِمَن يحاول إذلال الحاكم، وهكذا يربط الإسلام بين الراعي والرعية، بروابط الثقة المتبادلة، والتعاون الكامل، والإحساس بكلِّ موجبات الإنسانية الفاضلة، التي تتجلى في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المتمسك بسنتي عند فساد أمتي، له أجر مائة شهيد" ومن أحق بهذا الفضل من الحاكم وحكومته؟!؛ لأن مهمتهم هنا تضحية بالصحة والجهد والوقت، وليست مهمة هيمنة وتسلط واستعلاء.

ألا تعلمون أن الحكومة الإسلامية ممنوعة من نصرة مسلم، على من بيده عهد وميثاق أيًّا كان دينه؟ وأنها ملزمة أن تفي بالمعاهدات في دقة متناهية وحرص كامل، احترامًا للأمر القرآني ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: من الآية 1)، هل تنصر اليوم حكومة متحضرة غير بنيها على مواطنيها؟ حتى ولو كانت معاهدة عدم اعتداء أو حسن جوار؟؟ إن الحكومة الإسلامية التي تخشونها تفعل ذلك دينًا ﴿وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (الأنفال: من الآية 72) بهذا يتوفر الأمن والسلام قولاً وفعلاً، السلام الذي فشلت كل المعاهدات والمؤسسات العالمية في تحقيقه بين الناس، إن الحرب الباردة التي نشاهدها الآن، لها حد تنتهي عنده قريبًا أو بعيدًا، وحتما سيأتي اليوم الذي تنطلق فيه أدوات الدمار، ووسائل الهلاك لا تبقي ولا تذر! فإن هتفتم لها اليوم قليلاً فستصمتون غدًا طويلاً أو إلى الأبد، فكروا.. ما من العودة إلى شرع الله من بديل، لنصبر ولنعلم ولنتعلم كيف نستخرج من ضعفنا قوة، ودعوا هذه القضايا الباهتة، فمثلها أضاع الأندلس وفلسطين، ولبنان على الأبواب.

الحكومة الإسلامية التي تكرهونها، لا تعتقل ولا تعذِّب ولا تصادر ولا تؤمم، ولا تحرم الناس حرياتهم، وتعين على التفكير السليم والإبداع، إنها ليست الحكومات هنا وهناك التي تتلمسون من أخطائها وعطائها، التي لا يقرها شرع، تتلمسون من ذلك حججًا تقدمونها بين أيديكم لمقاومة الحكومة الإسلامية، التي لا تكل أمور الشعب إلى الأقارب والأصهار والأتباع وأهل الثقة المفتقدة!، وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه لم يول الإمارة أحدًا من أقاربه إلا واحدًا، فلما بلغه أنه قال شعرًا لا يتفق مع وقار الإمارة واحترام الوالي بادر إلى عزله على الفور.

إنها لا تكتفي بالتصريحات، ولا تلجأ إلى الوعود في مناسبات بذاتها، حريصة على الطهارة وتزكية الناحية الروحية والفكرية، وتكون قدوةً لشعبها في المساجد والمناسبات الدينية، كما تعنى بالناحية الصحية والقوة البدنية والرياضية النظيفة التي لا ترتكب تحت ستورها المنكرات، هي حكومة الحق، والحق عنوان القوة، ووسيلة البقاء.

لقد حرم الله الربا، ولقد ثبتت علميًّا ونظريًّا أخطار هذه الآفة المالية المدمرة. وها قد قامت حكومات عصرية تحرمه، وها نحن ذا نرى اليوم أنه من الممكن أن نتخلص من البنوك الربوية عن طريق المصارف الإسلامية، على ما في تصرفاتها من ثغرات، نسأل الله أن تسد حتى تستقيم أمورنا المالية على أمر سواء من الناحية الدينية، فينقذها من هاوية الضلال الربوي المنتشر القاتل، إلى نور التعامل المالي الإسلامي، الذي يحض على إنظار المعسر إلى ميسرته، وعلى حكوماتنا أن لا تعقد عقدًا ماليًّا فيه ربا، وأن تفي بالمعاهدات المالية الدولية على ما فيها من خلل مشروع دفعًا للضرر الأكبر بالضرر الأصغر وألا تعود إلى عقد ربوي أبدًا، ولديها من الاختصاصيين الاقتصاديين من يعينها على الوصول إلى ذلك. إننا نمر بأزمات طاحنة في كل ناحية من نواحي الحياة، والإسلام كفيل بالقضاء عليها لو أخذنا به ونفذناه. ألا فلتعقد المؤتمرات الإسلامية المتوالية، حتى تخرج لنا من كنوز الإسلام، ما يفيض علينا أمنًا وإيمانًا وسلامًا وأمانا، فقد منح الله هذه المنطقة من الموارد الظاهرة والباطنة ما يجعلها أغنى أهل الأرض ويكفيها شر الحاجة إلى غيرها وتبلغ حد تصدير الفائض عن حاجتها.

إنني لا أدعو إلى العجلة في هذه العجالة؛ لأنني أعلم ما في التعجل من اختيار، ولأنني أعلم ما في الجو السياسي العالمي، من اتجاهات وضغوط واحتياج إليه، إننى أعلم فوق ذلك أن الله على كل شيء قدير، وأنه أقوى من قوى الأرض جميعًا، ولكنني أعلم في نفس الوقت أن هذا القوي القادر لم يكلف فردًا أو مجتمعًا أو شعبًا أو أمة أو حكومة فوق طاقتها وما تستطيع، وأنه أمر بالحكمة في التصرف، وبالرشد في تناول الأمور، إن ما حرمه الله ليس لنا أن نحله وما أحله فليس لنا أن نحرمه.

فإذا قلنا بالتؤدة في التصرف، فما ذلك لننكر حلالاً، أو نحل حرامًا، فهذا شيء منتهٍ عند المسلمين لا يحاولون فيه، بل وليس من حقهم أن يحاولوا فيه أو يغيروا في حدوده. وما دمنا نعلم أن الحلال بين وأن الحرام بين، فإننا لا ندعو إلى تحليل أو تحريم، ولكننا ندعو إلى أفضل السبل التي تمكننا من الوصول إلى تنفيذ ما أمر الله به، والقضاء على كل ما نهى الله عنه.

إن تشابك المعاملات الدولية وكراهية الصليبية والصهيونية والإلحادية أمر لا شك فيه. ولهذا ندعو إلى أن نقدر لأرجلنا قبل الخطو موضعها حتى لا ننتكس، وحتى لا نسيء إلى إسلامنا أو نلصق به ما هو براء منه.

إننا لا نريد أن نكون كالدبة التي قتلت صاحبها لتدفع عنه ذبابة نزلت على وجهه أثناء نومه، فالصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى، سياسة إسلامية خاتمتها الفلاح الأكيد القاطع، إننا مجهدون متعبون، فيجب ألا نجري لئلا تنقطع الأنفاس، فلا حياة مجهدة أبقينا، ولا أملاً منشودًا حققنا، فخطوة خطوة، وعلى مهل، في حكمة وأسلوب حسن، وتبليغ بديع نصل إلى ما نريد، وقد تسبق العرجاء، فلنكن مع الله ليكون معنا، فما من معية أقوى من معيته، ولا من نصرة إلا نصرته، فهل نحن فاعلون.

وأعجب العجب أن أعداء الإسلام أعلم بقدرة الإسلام على العطاء والدواء والشفاء والإنقاذ من هؤلاء المسلمين الذين يتنكرون لدينهم، ويظنون أن السلامة مما نحن فيه كائنة في غيره، وقد أراد الله في قراءاتي لبعض الكتب المترجمة وغيرها، أن أعثر على كتب طائفة من علماء التاريخ الغربيين وما قالوه عن الإسلام، والفضل ما شهدت به الأعداء، فاقرا معي : يقول المؤلف د. فنرجرالد: ليس الإسلام دينًاAreligion  فحسب، ولكنه نظام سياسي أيضًا
a political System  وقد بني صرح الإسلام كله على أساس أن الجانبين متلازمان لا يمكن أن يفصل أحدهما عن الآخر.

وقال الأستاذ ناللينو : لقد أسس محمد في وقت واحد دينًا ودولة، وكانت حدودهما متطابقة طوال حياته.

وقال د. شاخت: الإسلام يعني أكثر من دين. إنه يمثل أيضًا نظريات قانونية وسياسية. وجملة القول أنه نظام كامل من الثقافة، يشمل الدين والدولة معًا.

وقال الأستاذ ستروثمان: الإسلام ظاهرة دينية سياسية، إذ إن مؤسسه كان نبيًّا وكان سياسيًّا حكيمًا، أي رجل دولة.

وقال الأستاذ ماكدونالد: في المدينة تكونت الدولة الإسلامية الاولى، ووضعت المبادئ السياسية للقانون الإسلامي.

وقال سيرتوماس أرنولد : كان النبي في نفس الوقت رئيسًا للدين ورئيسًا للدولة.

وقال الأستاذ جب: عندئذ صار واضحًا، أن الإسلام لم يكن مجرد عقائد دينية فردية وإنما استوجب إقامة مجتمع مستقل، له أسلوبه المعين في الحكم، وله قوانينه وأنظمته الخاصة به.

وقال جاردنر: إن الحروب الصليبية لم تكن لإنقاذ القدس، إنها كانت لتدمير الإسلام.

وقال أنطوني ناتنج: منذ أن جمع محمد أنصاره في مطلع القرن السابع الميلادي، وبدأ أول خطوات الانتشار الإسلامة، فإن على العالم الغربي أن يحسب حساب الإسلام كقوة دائمة وصلبة تواجهنا عبر المتوسط.

وقال مارد ديوك باكتول: إن المسلمين يمكنهم أن ينشروا حضارتهم في العالم الآن بنفس السرعة التي نشروها بها سابقًا، بشرط أن يرجعوا إلى الأخلاق كانوا عليها حين قامو بدورهم الأول، لأن هذا العالم الخاوي لا يستطيع الصمود أمام روح حضارتهم.

وقال هانوتو وزير خارجية فرنسا سابقًا: لا يوجد مكان على سطح الأرض، إلا واجتاز الإسلام حدوده وانتشر فيه، فهو الدين الوحيد الذي يميل الناس إلى اعتناقه بشدة تفوق أي دين آخر.

وقال المستشرق جاردنر: إن القوة التي تمكن في الإسلام هي التي تخيف أوربا.

وقال البير شادور: مَن يدري ربما يعود اليوم الذي تصبح بلاد الغرب مهددة بالمسلمين يهبطون إليها من السماء لغزو العالم مرة ثانية وفي الوقت المناسب.

وقال لورانس براون: كان قادتنا يخيفوننا بشعوب مختلفة، ولكننا بعد الاختبار، لم نجد مبررًا لتلك المخاوف، كانوا يخيفننا بالخطر اليهودي والخطر الياباني الأصفر والخطر البلشفي؛ لكن تبين لنا أن اليهود هم أصدقاؤنا، والبلاشفة الشيوعيون حلفاؤنا. أما اليابانيون فإن هناك دولاً ديمقراطية كبيرة تتكفل بمقاومتهم، ولكننا وجدنا أن الخطر الحقيقي علينا موجود في الإسلام، وفي قدرته على التوسع والإخضاع وفي حيويته المدهشة، وما دام هذا القرآن موجودًا في أيدي المسلمين، فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان.

ها هم أعداء الإسلام يعترفون أن الإسلام دين ودولة، أما بعض المسلمين فما يزالون ينكرون هذا المعنى ويقاومونه ويحاربونه في غير هوادة، إنني أقول إن الخطر على المسلمين ليس من أعدائهم ولكن كامن في صفوفهم بين أضلع هؤلاء الذين يثيرون حوله غبار التشكيك، وضباب الظنون، ويا ويل المسلمين من أمثال هؤلاء الغافلين أو المتغافلين.

ها هم أعداء الإسلام يعترفون بالقوة الكامنة في الإسلام والحيوية المتدفقة في تشريعاته، إنهم يرون أن المسلمين يمكن أن يعودوا إلى سالف أمجادهم، إذا ما تمسكوا بأخلاق وتعاليم دينهم، إننا نبحث عن الهمم التي تحرك هذه الحيوية الخارقة، إننا نلفت نظر الأجيال إلى هذه الحيوية البارعة، ونحضهم على تحريكها لتؤتي نتائجها المشتهاة، ولن يكون ذلك إلا بالعودة إلى تعاليم الإسلام وأخلاقه هذه الحيوية التي لن تموت، هي التي يرهبها الغرب كله على مختلف مذاهبه، وهي التي من أجلها يحاربون المسلمين العامة، والإخوان المسلمين خاصة بمختلف أساليب البطش والمؤامرات والنذالة والخسة، مستعينين بمن هنا ومن هناك، وللحزن المرير يجدون من بينهم مستجيبين لهم يعينونهم على أبناء دينهم.

ها هم أعداء الإسلام يعترفون أن الخطر كل الخطر عليهم كائن في الإسلام، لا في اليهود ولا البلاشفة والخطر الأصفر بل الإسلام والإسلام بالذات، أليس لدى الذين يتنكرون لدينهم وسموه وجلاله، من إحساس بالمسئولية، وشعور بالغيرة على دينهم بعد أن أجابهم الغرب بالعداوة والخصام؟ أما من قطرة دم مسلمة غيورة تتحرك في عروقهم تعيدهم إلى الصواب، وتمهد لهم طريق الحق الذي يجب أن يسلكونه، إنهم خافون حيوية ديننا. والبعض منا يخاف سلطان المادة الذي يعيش فيه هؤلاء الخائفون من الإسلام، أليس جديرًا بنا أن نثبت لهم أنهم على حق في نظرتهم لحيوية الإسلام، وأننا عائدون، وأننا أهل لأن يخاف الظالمون عدلنا، والمستعمرون قدرنا، والمستغلون حيويتنا؟ أما من إحساس أو شعور؟ هل تبلد فيكم كل شيء حتى وجوب التمتع بأستاذيتكم للعالم كله؟! ألا ترحمونا من كتاباتكم المغرضة، وتكفوا عنا أذاكم بهذه الشعارات الفاسدة المفسدة؟! ألا ينشط الأزهر نشاطكم، ألا تنشغل الجماعات الإسلامية بالتفكير في وحدتها وتضامنها، بدلاً من اشتغال بعضها ببعض وترك ميدان العمل المجدي للضالين المضلين. إن الإخوان المسلمين نادوا بهذا منذ بدء دعوتهم وهاجمهم الكثير من هذه الجماعات فلم يردوا سوءً- بسوء ولا شتمًا بشتم ولا اتهامًا باتهام، ولكن مروا على كل هذه المعوقات كرامًا، طاهرة أقلامهم، عفيفة ألسنتهم خالصة نياتهم ومقاصدهم عسى الله أن يهدي قومنا فإنهم أحق من ندعو لهم بالهداية، بأيد ممدودة وصدور منشرحه، وافئدة مفتوحة الجوانب لكل من قال لبيك.

هذه هي الحكومة الإسلامية التي يسمونها بالحكومة الدينية فهل آن لنا أن نستجيب أم ما يزال في علم الغيب، جهاد جاد من المخلصين ضد المنحرفين؟ اللهم إنا بايعناك على العمل والجهاد في سبيلك صادقين، اللهم أعنا على الوفاء بهذا العهد فائزين، وسيفنى الظالمون واحدًا بعد واحد وستبقى كلمة الله خالدة، ولو حملها رجل واحد وكانت السموات والأرض رتقًا عليه لفتقهما الله له استجابةً لدعائه وصبره ومصابرته وما ذلك على الله بعزيز.

من كان يريد معرفة الحكومة الإسلامية لغرض المعرفة في ذاته، فإني أحيله إلى رسائل الإمام الشهيد حسن البنا. هناك يجد كل ما يبحث عن الحق، كل محب للحق، كل مناصر للحق، بغيته، ويرى طلبته، ويريح نفسه ويريح الناس من كل ما يشغل باله من علم أو غير علم.

أيها المسلمون: هذه هي بعض معالم الحكومة الإسلامية التي تكاتفت قوى الأرض المادية، على أن تحول بينها، وبين أن تحكم العالم الإسلامي كله، لما يعملونه مما وراء ذلك من إنقاذ العالم الإسلامي من كبوته التي تعثر وما زال يتعثر منها محاولاً النهوض ليرفع رأسه عالية شامخة عزيزة، مستمتعة بكل ما أفاضه الله على هذه المنطقة من موارد لا حد لها، ومدد سكاني كفيل باستغلال كل ما سخره له في هذه المنطقة من الأرض. فمن كان يؤمن بالله حقًّا وصدقًا، قلبًا ولسانًا، عليه أن يجاهد في إقامة هذه الحكومة. أما أن نقول : إننا نعبد الله وندين له بالعبودية إقرارا بعظمته وجلاله وشمول علمه، ودقيق خبرته، ثم نرفض أن تقوم حكومة إسلامية تحكم المسلمين.
 فكلام له خبء معناه ليست لنا عقول
اللهم أرنا الحق حقًّا، والزمنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وألزمنا اجتنابه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ (يوسف).
والله أعلم.
--------------------
* دراسة نادرة كتبها فضيلة المرشد الراحل الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله