الجزيرة نت

قائمة المدونات الإلكترونية

السبت، 16 يوليو 2011

جمال سلطان يكتب : النضال اللذيذ

جمال سلطان يكتب : النضال اللذيذ

الكاتب : أنصار بورسعيد السبت 16 يوليو 2011 الساعة 10:44 صباحاً



أمس أعلنت جماعة 6 أبريل عن أنها أعدت قائمة بالوزراء الذين سيتم تعيينهم في الحكومة الجديدة ، كما أعلن متحدث باسمها ، أنهم أعدوا أيضا قائمة بأسماء المحافظين من أجل تقديمها إلى الدكتور عصام شرف ليصدر قرارا بتعيينهم في الحركة الجديدة للمحافظين ، ولكن تصريحات تنظيم 6 أبريل لم تؤكد ما إذا كان على الدكتور عصام شرف أن يرسل القائمة بعد تجهيزها إلى منسق التنظيم من أجل أن يصدر قرارا نهائيا باعتمادها ، بوصفه قائما مقام رئيس الجمهورية الشاغر منصبه ، .. هذا المشهد العبثي المثير ربما يلخص لنا صورة "الخيال" الذي يعشش في رؤوس عديدة في مصر الآن .

أحمد ماهر مؤسس تلك الحركة ورئيسها أو منسقها ، هو موظف في إحدى شركات ممدوح حمزة ، وزيادة في احتضانه منحه ممدوح حمزة فيلا في الدقي يدير من خلالها شؤون حركته التي تقمص من خلالها دور المنسق العام لجمهورية مصر العربية ، ولذلك حرصت الحركة على إعلان اسم "ممدوح حمزة" صاحب الدكان كرئيس للوزراء قبل عدة أيام ، وحمزة المشهور بالرعونة وضيق الأفق السياسي يخضع لتوجيهات كاملة من الناشط الناصري جمال فهمي ، لأن حمزة يتميز بالحمق السياسي وضعف الخبرة وسوء التصرف في الشأن العام ، وهو مهووس بنظرية أنه يستطيع أن يشتري أي شخص بفلوسه ، ومشهورة قصته عندما اختلف مع بعض النشطاء عند المنصة في ميدان التحرير فصرخ في الجميع "المنصة دي بفلوسي" ، وجمال فهمي هو الذي أقنعه بدور للناشطة الناصرية تهاني الجبالي ، وهي إحدى المحاميات المدللات لدى "الهانم" سوزان مبارك وهي التي اختارتها بالاسم لتعيينها في المحكمة الدستورية .

وممدوح حمزة يعيش حال "فصام" مع النظام السابق ، فهو يبدي التنافر معه سياسيا ، لكنه يدرك أنه ينتمي بولائه الاقتصادي كاملا لمنظومة مبارك الفاسدة ، وبعض شظايا الاتهام بالفساد تقترب منه حاليا ، وأحد شركائه الرئيسيين تم التحفظ على أمواله ومنعه من التصرف على خلفية اتهامات بالفساد ، ولذلك يحاول حمزة البحث عن مخرج للعديد من وزراء البيزنس في عصر مبارك من أجل إخراجهم من السجن ووقف محاكمتهم ، وقد صرح علنا بأنه يطالب بالإفراج عن زهير جرانه وأحمد المغربي ـ بالاسم ـ وآخرين من وزراء البيزنس ـ لم يسمهم ـ على أن يعيدوا الأموال التي انتهبوها ، بل وطالب بإعادة الاعتبار لهم بما يتيح لهم التوسع في "بيزنس" جديد والحصول على أموال جديدة من البنوك الوطنية بدعوى فتح فرص عمل أمام الشباب المصري .

كما أن حمزة يستلهم الكثير من توجهاته وقراراته من شخصية غامضة تدعى "رانيا الخولي" ، وهي من أصول مصرية وتتحرك بشكل منتظم بين فيينا ودبي والقاهرة ، وتملك تأثيرا ساحرا على ممدوح حمزة لا يعرف سببه بالضبط ، وتمثل رانيا أحد البوابات الرئيسية لتسويق عدد من النشطاء على مؤسسات أوربية وتسهيل عملية التمويل ، كما أنه من المعروف أن "سالي توما" الناشطة القيادية في الحركة واعتصام التحرير تعمل لدى نجيب ساويرس ، أما أبوها "شركس" فهو يعمل في إحدى شركات ممدوح حمزة ، وأما الشاعر "الغضنفر" الذي يفتخر بأنه "حشاش" فقد تم الإنعام عليه بتوظيف ابنتيه الناشطتين لدى نجيب سايروس دون أن يقوما بأي عمل محدد .

وأما الدكتور محمد البرادعي فهو الذي يهيمن على البوابة الرئيسية للتمويل الأجنبي ، كما يمثل بوابة أساسية لتسويق نشطاء على مؤسسات أوربية وأمريكية حتى أنه أصبح من الدارج أسبوعيا أن تجد عشرات النشطاء إما ذاهبون إلى فيينا أو باريس أو أمستردام أو فرانكفورت أو واشنطن وإما عائدون من هناك ، والحقيقة أن هذه "السبوبة" أصبحت جذابة للغاية لعدد من الشباب هم في واقع الأمر عاطلون عن العمل ، والشرط فيها سهل جدا ، أن يتشكل فريق عمل من عدد من الأشخاص لا يقلون عن خمسة ، ويعلنون "ائتلافا" بأي اسم يختارونه ، ولذلك توالدت الائتلافات الغريبة خلال شهرين فقط بما يتجاوز أربعمائة ائتلاف حتى الآن ، معظمها يتراوح عدد أعضائه بين خمسة أشخاص إلى عشرة أي أنها مجرد لافتات بلا أي مضمون واقعي حقيقي ، وقد أعلنت السفارة الأمريكية في القاهرة أن "أربعين مليون" دولار تم دفعها لمنظمات وائتلافات مصرية خلال الفترة الأخيرة بعد الثورة ، إلا أن مصادر أخرى تقول أن الرقم أكبر من ذلك بكثير ويصل إلى مائتي مليون دولار ، وما زالت السفارة الأمريكية ترفض الكشف عن أسماء أو قوائم الائتلافات والشخصيات التي حصلت على هذه الأموال والحيثية التي حصلوا عليها بها .

والبرادعي لا يملك كوادر ، لذلك اجتمعت لديه المتناقضات ، فرغم أن البرادعي ليبرالي إلا أن أبرز قيادات حركته شيوعيون أقحاح ، واليسار المصري يعاني من ضيق ذات اليد ، لذلك اجتمع قسم كبير منهم عند تنظيم البرادعي من أجل "كعكعة" التمويل الخارجي ، وبعضهم يستظل بمال ممدوح حمزة ، وتخدم على البرادعي قناة "التحرير" التي لا يعرف حتى الآن مصادر تمويلها ، كما أن أبرز مقدمي البرامج فيها : إبراهيم عيسى ومحمود سعد ، لا يكشفان أبدا عن قيمة العقد الذي يرتبطان به مع القناة ، وإن كانت مصادر القناة حددت راتب إبراهيم عيسى السنوي بثلاثة ملايين جنيه ، وأما محمود سعد فراتبه أربعة ملايين ، والقناة بشكل عام تمثل أحد أذرع محمد البرادعي ضد القوات المسلحة والإسلاميين بشكل خاص ، والمثير للدهشة أن إبراهيم عيسى لم يكتف فقط بتسويق البرادعي والهجوم على خصومه السياسيين والسخرية من القوات المسلحة بل يوجه صحفيي جريدته هو وإبراهيم المعلم "التحرير" للذهاب بانتظام إلى ميدان التحرير من أجل دعم المعتصمين وتوجيههم وتوزيع اللافتات وصياغتها .

وبمناسبة الفضائيات التي تتوالد الآن مثل الأرانب ، فتبرز فضائية مملوكة لرجل أعمال نشط في مجال الاستثمار العقاري وهو أحد أبرز ممولي الحزب الوطني المنحل وصديق حميم لأحمد عز وأحمد فتحي سرور وتم ترتيب القناة بمعرفة مجدي الجلاد رئيس تحرير المصري اليوم وصديقه الحميم وشيخه خيري رمضان ومعهم لميس الحديدي وعادل حمودة ، وكنوع من غسيل السمعة تم ضم اسم داعية شاب معروف ، وانتفخت أوداج خطيب مسجد عمر مكرم بثلاثين ألف جنيه شهريا من القناة مقابل برنامج شكلي فراح يهرف في الميدان كل جمعة بالمزايدات الجنونية المتمسحة في الدين للتخديم على رسالة القناة ، وقناة أخرى يملكها زوج مذيعة دريم الشهيرة "منى الشاذلي" لا يكشف حتى الآن عن شركائه فيها ، لأن الأموال التي تم ضخها في تلك القناة فوق التصور ، حتى أن تكاليف الدعاية والتسويق لها قبل انطلاقها تجاوزت أربعين مليون جنيه ، بما يعني أن تكلفة التشغيل لن تقل عن مائة وعشرين مليون جنيه ، وطاقته المالية لا تتيح له ذلك ، والرجل معروف بأنه من المقربين من رموز الوطني والمدافعين عنه ، وبشكل عام فجميع القنوات الفضائية المصرية الخاصة العاملة الآن مملوكة لرجال أعمال من منظومة عصر فساد مبارك وحزبه وأنجاله .

وهناك صحف تتلقى قسما من المعونة الأمريكية بشكل منتظم ، مثل صحيفة الشروق التي تقوم بدور بارز في التهييج ضد المجلس العسكري والاستحقاق الدستوري ، وأتمنى أن يمتلك "هاني شكر الله" الشجاعة لكي يعلن للرأي العام عن المبلغ بالضبط الذي يتم ضخه في شرايين الصحيفة من المال الأمريكي وما هي أهم بنود "البروتوكول" الحاكم لهذه المعونة ، وكان نجيب ساويرس قد نجح مؤخرا في احتواء رئيس تحرير الصحيفة عمرو خفاجي ، فمنحه ستين ألف جنيه شهريا مقابل برنامج في قناته "أون تي في" ، رغم أنها تعاني خسائر مزمنة ، وهناك أموال أخرى غامضة يصعب فهم مصادرها مثل الأموال الطائلة التي يدفعها بانتظام موظف كبير في فندق "سونستا" لحشد مئات الأقباط إلى ميدان التحرير والدفع نقدا مائتي جنيه في اليوم .

أطلت عليكم ، فالخريطة متسعة ، وربما عدنا إليها في محطة أخرى ...

القائمة الكاملة لممتلكات حسين سالم


القائمة الكاملة لممتلكات حسين سالم


الكاتب : أنصار بورسعيد السبت 16 يوليو 2011 الساعة 11:21 صباحاً

نشرت صحيفة «اليوم السابع» القائمة الكاملة لممتلكات رجل الأعمال حسين سالم، والواردة فى تقرير واف أعدته لجنة الفحص المشكلة من قبل جهاز الكسب غير المشروع فى 19 صفحة بتاريخ 20 أبريل 2011.

التقرير «سرى جداً»، يحمل تفاصيل ومعلومات كاملة عن قائمة ممتلكات تتنوع فيها أوجه الثراء الفاحش وتضخم للثروات غير مبرر، ممتلكات لرجل بدأ حياته بمرتب شهرى 18 جنيها ويثمن حاليا بـ350 مليار جنيه، ممتلكات لرجل توحش فى ممارسة التجارة حتى المشبوهة منها: ليس لعقليته الاقتصادية الفذة وإنما لعلاقته القوية بالرئيس المخلوع محمد حسنى مبارك، فأسس سالم شركات فى الفندقة والسياحة وتجهيز المؤتمرات والزراعة والصناعة والتنمية البيئية وتحلية مياه البحر واستثمارات البترول والطاقة.

القائمة الكاملة للممتلكات تكشف عن علاقات متشابكة بين سالم، وكل رجال الأعمال والمئات من الوزراء ووكلائهم على مدار السنوات الماضية، وكيف كانوا يتسترون على كل مخالفاته للقانون رغم تكرارها، بداية من تخصيص الأراضى بدون مناقصات ومنح التراخيص وتوفير التسهيلات.. تكشف اهمية استعادة حسين سالم ومحاكمته بالقاهرة، ودور رجال أعمال لهم ثقل فى البلاد ممن شاركوه فى مشاريعه كعائق أمام عودته البلاد، لأنه لو عاد سيترتب على ذلك فتح مئات الملفات التى ستكون أبسط نتائجها انتقالهم إلى سجن طرة أو حسبما يطلق عليه «بورتو طرة».

يتضمن تقرير لجنة الفحص المشكلة من قبل جهاز الكسب غير المشروع بشأن السيرة الذاتية لحسين سالم وحياته الوظيفية على قائمة ممتلكاته فى ترتيب الأوراق ويكشف بداياته المتواضعة.

بدأ الإمبراطور حسين سالم حياته الوظيفية براتب 18 جنيها عندما تم تعيينه عام 1961 فى وظيفة مراجع حسابات بصندوق دعم صناعة الغزل والمنسوجات القطنية، وارتفع راتبه بعد ذلك إلى 43 جنيها عندما عمل بالشركة العربية للتجارة الخارجية كمدير لإدارة الغزل والنسيج، وهى الشركة التى تقلد فيها عدة مناصب فى فروعها المختلفة بالدول العربية، كمدير للمركز التجارى فى الدار البيضاء عام 1962 ومدير لنفس المركز فى بغداد عام 1964، إلى أن عاد عام 1973 للقاهرة للعمل بالمؤسسة المصرية العامة للتجارة الخارجية وأعير منها للعمل بشركة الإمارات العربية المتحدة للتجارة فى إمارة أبوظبى كمدير عام الفروع وعضو بمجلس الإدارة.

يمتلك سالم وعائلته 12 شركة مساهمة فى شرم الشيخ والأقصر وسيناء بقيمة إجمالية تزيد على 30 مليار جنيه، غير أن المعلومات التفصيلية لكل شركة على حدة تكشف مدى التفكير لدى سالم فى الانتشار على نطاقين، الأول أفقيا على أرض الواقع بتوسيع نطاق إمبراطوريته ومضاعفة أعداد الشركات فى كل القطاعات مثل تحلية المياه والسياحة والفندقة والإنشاء والتعمير والطاقة والكهرباء والتنمية البيئية واستثمارات البترول والزراعة والصناعة، والثانى بزيادة حجم رؤوس أموال الشركات ومضاعفة أرباحها السنوية.

الشركة الأولى المقيدة فى إمبراطورية حسين سالم تسمى شركة نعمة للجولف والاستثمار السياحى وهى شركة مقيدة برقم 1195 بالسجل التجارى لمدينة الطور وتتولى إقامة قرى سياحية مكونة من فنادق وملاعب جولف رياضية ومطاعم وأسواق تجارية وكافيتريات، ويساهم حسين سالم فيها برأس مال قيمته 63 مليونا و165 ألف جنيه ونجله خالد بقيمة 118 مليونا و413 ألفا ونجلته ماجدة بقيمة 71 مليونا.

أهمية تلك الشركة فى إمبراطورية حسين سالم أنها تملك فندق فيل موفنبيك الجولف وهو الفندق الذى كان الرئيس المخلوع محمد حسنى مبارك يقيم فيه عند زيارته لمدينة شرم الشيخ وحققت ارباحا لسالم وصلت 162 مليوناً و836 ألف جنيه.

السياحة والفندقة ركن أساسى لدى إمبراطورية حسين سالم، فهو يعتبرها باب الخير عليه وهو ما دفعه لإنشاء كل مشاريعه فى شرم الشيخ وسيناء والأقصر، وتمثل اهتمام سالم بذلك فى إنشائه 6 شركات فى مجال السياحة بشكل عام غير أنها تختلف نوعيا فى الخدمات المقدمة، حيث يمتلك سالم شركة فيكتوريا المتحدة للفنادق والمقيدة برقم 278 بالسجل التجارى لمدينة الطور، وهى الشركة المتخصصة فى تقديم الخدمات الفندقية لتعود عليه بربح سنوى يقدر بـ37 مليون جنيه سنويا بناء على تقارير الإقرارات الضريبية، فى الوقت الذى يساهم فيه سالم فيها بقيمة 89 مليونا و220 ألف جنيه ونجله خالد بـ25 مليونا و750 ألف جنيه ونجلته ماجدة بـ4 ملايين و660 ألف جنيه، ويمتلك سالم شركة أخرى تدعى فيكتوريا ولكنها متخصصة فى النقل السياحى ويساهم فيها سالم بمبلغ مليون و716 ألف جنيه، ونجله خالد بمبلغ 792 ألف جنيه.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن شركة فيكتوريا للنقل السياحى تتكامل فى عملها مع شركة للنقل الجوى كشف عنها التقرير السرى للجنة الفحص فى صفحته السابعة مملوكة لخالد نجل حسين سالم، تسمى بشركة «كذا جنيتر وينجز افياشن» وهى شركة مساهمة مصرية خاضعة للقانون برقم 8 لسنة 1997 لضمانات وحوافز الاستثمارات وتختص بما يسمى «التاكسى الجوى» حتى 27 راكبا، ويمتلك خالد حسين سالم فيها 16 ألف سهم بقيمة مليون و600 ألف جنيه ومقرها مبنى التصدير الدولى بمطار القاهرة الجوى.

بالعودة لشركات الفنادق التى يمتلكها حسين سالم، سنجد أن التقرير السرى كشف عن امتلاكه شركة فندق الأقصر جراند أوتيل، وشرم الشيخ للفنادق، ومراكز المؤتمرات، والأخيرة هى شركة تحظى باهتمام من قبل حسين سالم لأنها كانت تتولى فى أوقات كثيرة إجراءات التحضير والإعداد لمؤتمرات ولقاءات مبارك مع المسؤولين والوزراء ورؤساء العالم والملوك العرب بشرم الشيخ ويبلغ رأس مالها الإجمالى 50 مليون جنيه.

الشركة الأخيرة لحسين سالم فى مجال السياحة حملت اسم شركة التمساح للمشروعات السياحية، وذلك نسبة إلى جزيرة التمساح بمدينة الأقصر وهى الجزيرة التى بنى عليها حسين سالم أشهر فنادقه على الإطلاق «موفنبيك جولى فيل» ضمن قرية سياحية تتضمن عدة مبانٍ وشاليهات وملاعب وحمامات سباحة ومطاعم على مساحة 131 فدانا، اشترى جزءا منها من المواطنين والجزء الآخر بالتخصيص من محافظة قنا والهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية.

شركة «جزيرة التمساح» -حسبما يطلق عليها أهل مدينة الأقصر- يساهم فيها سالم بقيمة 14 مليونا و995 ألف جنيه، وهو مبلغ يعد للمرة الأولى أقل من قيم مساهمة نجله خالد والبالغة 112 مليونا و500 ألف، إضافة إلى 7ملايين و500 ألف باسم حفيدته نور خالد ومثلهما لحسين خالد حسين سالم -الحفيد المدلل إليه- كما أنها أعادت عليهم ربحا فى الفترة من عام 2005 حتى 2008 قيمته 48 مليونا و32 ألف جنيه, واللافت فى جزيرة التمساح أنه على الرغم من المخالفات القانونية التى ارتكبها حسين سالم فى الحصول على 131 فدانا سواء فى إجراءات التعاقد أو عمليات البناء وإنشاء القرية السياحية وإجراء التوسعات، إلا أنه لم يصدر ضده أى قرار سلبى فى عهد النظام السابق وصدر فقط يوم 28 فبراير 2011 من محافظ الأقصر أى بعد 17 يوما من تنحى مبارك -الداعم الرئيسى له.

ولم يتوقف سالم عند حد إنشاء المشروعات السياحية فقط، إنما تعدى الأمر لإنشاء مشروعات وشركات أخرى لخدمة تلك المشاريع بشكل مباشر أو غير مباشر مثل تأسيس شركة مياه جنوب سيناء لتحلية مياه البحر والآبار وإنشاء مصنع لتعبئة المياه فى زجاجات ومد فنادقه ومشاريعه السياحية بها بدلا من الشراء، وفى ذات الوقت تعود عليه بربح يصل متوسطه إلى 5 ملايين و750 ألف جنيه سنويا، رغم أن نسبة مشاركة سالم فيها لا تزيد على مليون و313 ألف جنيه، كما أنشأ سالم بحسب التقرير السرى للجنة الفحص 3 شركات استكمالية فى مجالات مختلفة برأس مال قليل نسبيا مثل شركة بذور للزراعة برأس مال لا يزيد على مليون ونصف المليون، وشركة جنوب سيناء للتنمية البيئية برأس مال يبلغ 9 ملايين جنيه بواقع 5 ملايين ونصف المليون باسمه، و3 ملايين ونصف المليون باسم نجله خالد، والشركة العربية للاستثمارات البترولية والطاقة برأس مال 5 ملايين جنيه بواقع 2 مليون و600 ألف باسمه ومليون و500 ألف لخالد و900 ألف لنجلته ماجدة.

«ميدور للكهرباء» أو «ميدالك».. هو اسم الشركة الأكثر شهرة وأهمية بإمبراطورية حسين سالم خارج مجال السياحة والفنادق، فهى شركة مساهمة مصرية بنظام المناطق الحرة العامة بالإسكندرية وفقا لأحكام القانون رقم 8 لسنة 1997 برأسمال مرخص قدره 75 مليون دولار ورأسمال مصدر قدره 27 مليون دولار، وتختص تلك الشركة بإنشاء وتملك وتشغيل وإدارة شركة للكهرباء لتوفير الطاقة الكهربائية اللازمة لشركتى ميدور وميدتاب -المملوكتين لحسين سالم.

ويساهم سالم فى تلك الشركة بمقدار 94.5 ألف سهم بقيمة 9.45 مليون دولار ونجله خالد بمقدار 54 ألف سهم بقيمة 5.45 مليون دولار ونجلته ماجدة بمقدار 13.5 ألف سهم بقيمة 1.35 مليون دولار.

وأخيراً شركة كولتكس الآيرلندية، وهى شركة مملوكة لحسين سالم بمقدار 108 آلاف سهم بقيمة 10.8 مليون دولار، ونجاح تلك الشركة فى إمبراطورية الأخطبوط حسين سالم انعكست على رأس مال الشركة والذى تمت زيادته فى الفترة من عام 1998 حتى 2009 عدة أضعاف رأس المال الأساسى، بخلاف أسهمه فى البنوك وعلى رأسها بنك قناة السويس الذى يمتلك فيه 172 ألفا و500 سهم.

الممتلكات العقارية ركن آخر حيث كشف التقرير عن معلومات وتفاصيل جديدة فحسين سالم يمتلك كوكتيلا من الفيلات والشاليهات وقطع الأراضى والشقق المتميزة، والتى يحافظ كعادته على أن يكتبها باسمه وزوجته نظيمة ونجليه خالد وماجدة.

منها الفيلا رقم 38 نموذج G الكائنة بقرية مينا جاردن سيتى بمحافظة 6 أكتوبر والفيلا رقم 29 بمدينة شرم الشيخ والعقار رقم 96 شارع النزهة بألماظة بالقاهرة والعقار رقم 28 بشارع رشدى وهو مقر شركة فيكتوريا المتحدة للفنادق، بالإضافة إلى 5 فيلات بمشروع الجولف شمال خليج نعمة يمتلكها نجله خالد وقطعة أرض مستصلحة تبلغ 16 فدانا بالحوض رقم 2 ناحية البساتين بمركز أبو المطامير بمحافظة البحيرة.

أما عن قطع الأراضى فسرد التقرير السرى للجنة الفحص عنها تفاصيل كثيرة، خاصة أن التقرير رصد الأراضى التى اشتراها حسين سالم فى السنوات الأخيرة والتى كان القاسم المشترك بينها، أنها فى مواقع متميزة جدا وبالتخصيص بدون أى مناقصات وبأسعار زهيدة أقل من سعر السوق، فحسين سالم اشترى قطعة أرض رقم 84 بمنطقة شمال خليج نعمة بالتخصيص من محافظة جنوب سيناء تصل مساحتها حوالى مليون و728 مترا مربعا بمبلغ 32 مليونا و184 ألف جنيه، وقطعة أرض أخرى فى خليج نعمة أيضا مساحتها 208 آلاف و388 مترا بالتخصيص من محافظة جنوب سيناء بقيمة 6 ملايين و800 ألف جنيه، كما اشترى 79 ألفا و805 أمتار مربعة بقيمة مليون و944 ألف جنيه، بالإضافة إلى قطعة أرض مستصلحة باسم نجله خالد تبلغ مساحتها 16 فدانا بالحوض رقم 2 ناحية البساتين الثانية مركز أبوالمطامير بمحافظة البحيرة من رجل أعمال إماراتى الجنسية.

الرفاهية فى حياة الإمبراطور حسين سالم حسبما سجلها التقرير السرى ظهرت فى امتلاكه طائرة خاصة تحمل تسجيل حروف GEDHY طراز F2000، إنجليزية الجنسية ومقرها بمدينة بروكسل بدولة بلجيكا، وتقوم على خدمتها بجمهورية مصر العربية شركة لخدمات الطيران، واللافت أن تلك الطائرة هى نفسها التى استغلها حسين سالم فى الهروب من مصر بعد أحداث 25 يناير، فحسب سجلات الطيران، فقد غادر سالم سماء شرم الشيخ يوم 29 يناير متوجها إلى دولة رومانيا، كما تبين أن نجله خالد يمتلك لنشا بحريا يسمى بلولجون تم شراؤه بمبلغ 923175 جنيها، كما يمتلك خالد شركة «أكذا جنيتر وينجز افياشن» سالفة الذكر.

خاتمة قائمة ممتلكات رجل الأعمال حسين سالم الواردة بالتقرير السرى انتهت بشركات البترول التى كان لسالم النصيب الأكبر من المساهمة فى تأسيسها، وهى شركات البحر الأبيض المتوسط، وهى الشركة التى تولت الوساطة فى تصدير الغاز الطبيعى لإسرائيل وربح سالم من ورائها 531 مليون دولار، فضلا عن الشركات الثلاثة الأخرى، وهى الشرق الأوسط لتكرير البترول والشرق الأوسط للصهاريج وخطوط أنابيب البترول «ميدتاب» وشركة غاز الشرق.

وبعيدا عن التدقيق فيما تحمله أرقام مساهمات حسين سالم المالية فى كل شركة من شركاته الأربعة والبالغة قيمتها 662 مليون دولار، فإن طبيعة تكوين الشركات وطبيعة أسماء المؤسسين تعكس طبيعة علاقات الأخطبوط حسين سالم برجال أعمال من كل الجنسيات، وعلى رأسهم يوسف ميمن الإسرائيلى الجنسية والذى شارك سالم فى شركة الشرق الأوسط لتكرير البترول بنسبة بلغت 145 مليون دولار.

اللافت أن شركات حسين سالم كانت متشعبة فى مصر، وعلى قدر ذلك تتوسع علاقاته برجال أعمال مصريين يتبادلون معه المصلحة، قد لا تحتوى الأوراق على أسمائهم، لكن دوائر المال والاقتصاد تجمعهم على مائدة واحدة وهو ما يؤدى إلى نتيجة واحدة، بأنه على قدر ما يوجد ملايين المواطنين المصريين الذين ينتظرون عودة حسين سالم من إسبانيا ومحاكمته بالقاهرة، بقدر ما يقف رجال أعمال لهم ثقلهم فى مصر حيال تنفيذ عملية العودة لما يترتب عليها من نتائج سيئة أقلها انتقالهم إلى سجن طرة، بخلاف المئات من وكلاء الوزراء الذين تساهلوا مع حسين سالم طيلة السنوات الماضية فى منحه الأراضى دون مناقصات وبأسعار أقل بتراخيص دون اتباع القانون واللوائح عندما كان يمثل أحد الأركان الرئيسية فى النظام السابق وقت جبروته.

الليبرالية ... دراسة في المفهوم والنشأة والتطور (3)

الليبرالية ... دراسة في المفهوم والنشأة والتطور (3)

الكاتب : أنصار بورسعيد الثلاثاء 12 يوليو 2011 الساعة 09:07 مساءً

عبدالمعطي زكي إبراهيم    


تطبيقات ليبرالية
الليبرالية المتوحشة – نموذج مصر قبل ثورة 25يناير
مقدمة ضرورية
 فى هذه الدراسة سيتم شرح المنطلقات الجديدة لليبرالية فى طورها العولمى والذى هو أكثر الأطوار توحشا فى أطوار الليبرالية ثم نبحث فى تأثير تطبيقه على الاقتصاد المصرى قبل ثورة 25 يناير لندرك بناء على حقائق الواقع مدى ملائمة الليبرالية دون تمصيرها بناء على معطيات الواقع على الدولة والجماهير فى مصر. 
أولا: ليبرالية العولمة
بدءا من السبعينيات، أصبح التحول إلى نموذج التنمية والتراكم الرأسمالي المعروف باسم "الليبرالية الجديدة" هو اسم اللعبة في بلدان الشمال والجنوب، فقد بدأ تطبيق النموذج في شيلي في ظل ديكتاتورية الليندي، ثم تم الدفع به في الولايات المتحدة في ظل إدارة ريجان، وفي بريطانيا تحت حكومة ثاتشر، وبدا أن النموذج لا يمكن وقفه. فقد ساعد عدد من التحولات في الاقتصاد السياسي العالمي على تعزيز هيمنته، ثم تمت صياغته بشكل نهائي فيما أطلق عليه "توافق واشنطن" . فيما يشير إلى نية تعميمه كنموذج عالمى.
حدثت أولى هذه التغييرات في عام 1970 مع نهاية قاعدة الدولار وظهور ظاهرة جديدة في الاقتصاد العالمي تعرف باسم "التضخم الركودي"، حين بدأ كثير من بلدان الشمال يتعرض لعَرَضين اقتصاديين متناقضين؛ التضخم والركود لأن الركود يعنى كثرة العرض مع عدم وجود قوه شرائيه كافية والتضخم يعنى انخفاض قيمة العملة بسبب عدم وجود غطاء إنتاجى أو بمعنى أصح سلع كافيه فى السوق
 وهذا التناقض يعنى باختصار أن النظام الاقتصادى لا يسير حسب القواعد الاقتصادية السليمة أو بمعنى آخر وجود خلل بنيوى فى النظام يستوجب التصحيح.
  ومع اقتران هذا بتراجع نموذج التصنيع للإحلال محل الواردات في بلدان الجنوب، بدأت الشكوك تتزايد حول صحة النموذج الكينزي ومنطلقه الأساسي فيما يخص التدخل المتزايد للدولة في عملية إنتاج وتوزيع الثروة.
وهى الخطوة التصحيحية اللازمة لإصلاح الخلل، وهى الخطوة التى يترفع الغرب عنها إلا مضطرا لأنها اعتراف صريح منه بوجود قصور واضح فى الليبرالية من الناحية الاقتصادية وهو الأمر الذى يؤكد تهافت مقولة نهاية التاريخ التى رفعها يوما فوكاياما ثم تراجع عنها لما ثبت تهافتها ولم يتراجع عنها الغرب.
ثم أدت أزمة النفط عام 1974 وما بعدها، والتى تضاعف فيها سعر النفط أضعافا كثيرة إلى إعطاء مزيد من الأهمية لهذه المشاكل الاقتصادية، مما أدى بدوره إلى زيادة الأعباء الاقتصادية على بلدان الشمال بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج، في الوقت الذي تم السماح لموجة من القروض غير المنطقية بالتوجه إلى كثير من بلدان الجنوب فى محاولة ظاهرة لإنقاذ اقتصادها من الانهيار بفعل ارتفاع أسعار النفط، ولكن الحقيقة هى توريطها اقتصاديا، وهو الأمر الذي أدى في النهاية إلى أزمة الديون. وهكذا، فبحلول 1982 اعتبرت الأزمة المكسيكية نقطة تحول هامة، عندما أعلنت الحكومة المكسيكية وقف برنامجها لتسديد الديون للدائنين الأجانب بسبب الانهيار الاقتصادى الحادث فيها.
وقد أدت أزمة الديون الناشئة، والتي تعتبر المكسيك أوضح حالة عليها، والتي مست غالبية السكان في البلدان النامية، إلى جملة من الأمور، منها تغيير جذري في أولويات وكالات الإقراض الدولية، من الاهتمام المعلن – بالرغم من محدوديته – بتخفيف حدة الفقر وتلبية الاحتياجات الأساسية للفقراء، إلى ضمان قدرة واستعداد البلدان المدينة على خدمة ديونها.
وهو ما يعنى بوضوح لا لبس فيه أن وصفات هذه المؤسسات كانت لا تراعى الصلح الوطنى للدول التى تضطر إلى الاقتراض من المؤسسات النقدية العالمية.
إن التحول لم يكن فقط ناحية الهيمنة الأيديولوجية للنموذج الليبرالي الجديد، ولكن كذلك ناحية مضاعفة تأثير المؤسسات المالية الدولية (مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، وتأثير أقوى الدول في هذه المنظمات، وهي الولايات المتحدة وأوروبا بدرجة أقل، لكي يقوموا بإعادة هيكلة اقتصاديات، وبالتالي سياسات، الدول في جميع أنحاء العالم. فى إشاره مبكرة إلى ما يسمى بالليبرالية المعولمة.
عكست السياسات الاقتصادية للبلدان النامية هذه التغييرات الجذرية تحت ضغط الأزمة الاقتصادية والمطالبات الملحة لوكالات الإقراض الدولية، مما اضطر الحكومات إلى اتخاذ حزمة من الإصلاحات التي تقوم على النموذج الليبرالي الجديد المعتمد من المؤسسات المالية الدولية والتى تسيطر عليها الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة.
ومن المثير للاهتمام أنه لم يتم تفسير كل هذه الأزمات والتحولات في بلدان الشمال والجنوب من قبل المؤسسات الدولية، أو من جانب مختلف النخب الحاكمة ووسائل الإعلام، كمؤشر على عيوب الرأسمالية بوصفها نظام، ولكن كذريعة للمزيد من الرأسمالية ولإطلاق العنان لقوى السوق!
وأخيرا، ومع نهاية رأسمالية الدولة في الاتحاد السوفيتي السابق وأوروبا الشرقية في عام 1989، مع انهيار الاتحاد السوفييتى كدولة عظمى بل وتفككها إلى مجموعه من الجمهوريات  أعلنت نفس هذه الأوساط انتصار الرأسمالية على الطريقة الأمريكية وزعموا أنها "نهاية التاريخ"، كما أشار إلى ذلك فرنسيس فوكوياما الذي ينتمي إلى اليمين الأيديولوجي. أي أعلنوا ميلاد عصر أثبتت فيه الرأسمالية، وبخاصة الصيغة الليبرالية الجديدة منها، أنها النموذج الصالح الوحيد، اقتصاديا وسياسيا بعد فشل النموذج الاشتراكى بتفكك أكبر دولة اشتراكية.
وقد ركز النموذج الجديد، على نحو ما هو مصاغ فيما يسمى توافق واشنطن، على:
(1) الإدارة المالية وخفض نفقات الدولة.
(2) تراجع دور الدولة كفاعل اقتصادي ومورد اجتماعي (أي خصخصة الأصول العامة والخدمات).
(3) أسواق عمل مرنة.
(4) التجارة الحرة.
(5) التحرير المالي.
(6) حماية حقوق الملكية.
(7) الضرائب التنازلية.
وقد كان النموذج واضحا وصريحا حول تعزيز تراكم الثروة على حساب التوزيع أو العدالة الاقتصادية.
ولم يقتصر الأمر على هذا التغير الملحوظ في اقتصاديات معظم الدول، ولكنه أدى أيضا إلى تغيير وضعها السياسي. حيث قدمت الليبرالية الجديدة نظريات قيمية وظيفية حول السياسة والحكم، ودور الدولة، والهدف النهائي من العلاقة بين الدولة والفئات المختلفة.
وقد كان هذا التحول واضحا جدا في إعلان ثاتشر الشهير: "لا يوجد شيء يسمى المجتمع، لا يوجد سوى الأفراد".
لذلك، فإن الإصلاحات الليبرالية الجديدة لم تؤد فقط إلى تحول اقتصاديات العديد من البلدان النامية والبلدان المتقدمة صناعيا، ولكنها غيرت أيضا من بنيتها السياسية. وتحديدا، فقد أخضع مشروع الليبرالية الجديدة كل من المجتمع والدولة لديناميات السوق، من خلال ثلاثة مجالات رئيسية:
1) تهميش دور الدولة من خلال خفض إيراداتها ومهامها.
2) تغيير أنظمة الإنتاج بطريقة تزيد من تهميش الأغلبية حتى في ظل ظروف الديمقراطية الإجرائية.
3) إعادة تشكيل النخبة الحاكمة من ائتلاف من البيروقراطيين الحكوميين (بما في ذلك الجيش في بعض الحالات)، والطبقات المتوسطة، وإلى حد ما دوائر الأعمال، إلى ائتلاف يتضمن حصريا فئتي التكنوقراطيين وممثلي الشركات الكبيرة (سواء كانت محلية أو دولية).
ومعروف أن التكنوقراط هم مجرد خبراء وقد يتخذوا من القرارات ما لا يدركوا آثارها السياسية وهنا مكمن الخطورة ومن ذلك على سبيل المثال، اعتبار أن القطاع الخاص أقل فسادا وأكثر كفاءة من القطاع العام.
 وكذلك تفكيك النظام القديم ماديا؛ وعدم وجود صيانة للمصانع المملوكة للدولة بحيث تخسر  ويتم بيعها أو إيقافها بحجة أنها مشروعات خاسرة دون أى محاوله لإعادة هيكلتها أو تطويرها
  وكذلك العمل على تخفيض الإعانات أو التوظيف المضمون، وذلك لوضع الجماهير تحت ضغط مخاطر متزايدة. بحيث تضطر فى النهاية إلى الالتجاء إلى القطاع الخاص كان الهدف الحقيقى هو وأد فكرة القطاع العام وإثبات أن الدولة تاجر خائب.
ثانيا: الدولة في ظل الليبرالية الجديدة
الليبرالية الجديدة تحدث تغيير في هيكل وصلاحيات الدولة إلى ما يطلق عليه البعض  (دولة المنافسة الوطنية)، بمعني: دولة تتم فيها صياغة السياسات بأكملها (الاقتصادية والسياسية والاجتماعية) بهدف اجتذاب أكبر استثمار رأسمالي ممكن، وليس بهدف تحسين أوضاع المعيشة وتحقيق العدالة الاجتماعية
 في هذا النموذج، فإن دور الدولة الداخلي هو تهيئة الدولة تشريعيا وإتمام البنى التحتية لاجتذاب الاستثمارات الخارجية وتشجيع القطاع الخاص وعلى الصعيد الدولي، فإن دورها هو التنافس في إطار من الاقتصاد العالمي، وتوفير ظروف أفضل للعمل وجذب المستثمرين، بغض النظر عن الكيفية التي تؤثر بها هذه الظروف على العمالة أو البيئة.
 وبالتالي، فإنه ليس من قبيل الصدفة أنه مع ظهور هذه الرؤية، بدأ العالم يعرف ظواهر مثل "المصانع كثيفة الاستغلال"، ومثل تركيز الصناعات الصحية الخطرة (مثل الأسمنت والأسبستوس) في بلدان الجنوب، لأن الدول الكبرى تحت تأثير جماعات البيئة وقيود الاتفاقيات البيئية الدولية تسعى إلى خفض التلوث البيئى داخليا، ولذلك تعمل على نقل هذه الصناعات خارج حدودها وتبعا لذلك، فإن التركيز في هذا الخطاب الليبرالي الجديد يكون على أمرين:
الأول: أهمية دور الدولة كمحفز للنمو وليس للعدالة أو للتوزيع، ويتبع ذلك أهمية علاقاتها مع قطاع الأعمال، بالمقارنة بعلاقتها بالفئات أو الشرائح الاجتماعية الأخرى.
يمكن ملاحظة ذلك بوضوح في البيانات الصادرة عن "حكومة رجال الأعمال المصرية الحالية"، وكذلك حكومة الدكتور عاطف عبيد السابقة؛ حيث كان النظام يركز على إنجازاته في جذب الاستثمارات الأجنبية وتيسير مناخ الاستثمار، بغض النظر عن حقيقة أن مثل هذه الإنجازات المزعومة لم تترجم إلى ظروف معيشية أفضل للأغلبية من أبناء مصر، ولكنها اقترنت علاوة على ذلك بارتفاع مستويات الفقر.
وهو أمر يوحى بأن هذه الحكومات نظرا لعدم استقلاليتها تنفذ سياسات مملاة عليها تعلم يقينا أنها لن تحسن أوضاع المعيشة ولن تخفض مستوى الفقر، والغريب هو الإصرار على هذه السياسات بل وخداع الجماهير بأن آثارها لن تظهر إلا على المدى البعيد، ويقود نفس المنطق بوضوح مسألة تغيير القوانين والسياسات الضريبية، وقانون العمل، والخدمات الاجتماعية (مثل الصحة والتعليم). حيث أن هذه القوانين والسياسات تغيرت بطريقة تعمل على الحد من النفقات والالتزامات على الشركات وزيادة التكاليف الاقتصادية والاجتماعية على معظم المصريين، لاسيما الطبقة العاملة بإدعاء ضرورة الإدارة الاقتصادية للمؤسسات والحاجة إلى تسعير الخدمات بطريقة جديدة سعيا لتحسين الجودة كما هو الحال فى قانون التأمين الصحى الجديد الذى تصر الحكومة على إمراره والإصرار على هذه السياسات التى أصابت المصريين بالفقر والمرض.
واضح أيضا في مسألة الشخصيات التي يختارها النظام المصري ليس فقط للتشاور بشأن تغير اتجاه الدولة، ولكن أيضا من يعينه في أهم مراكز صنع القرار، أي رجال الأعمال، والذين هم أصحاب مصلحة حقيقية فى الاستمرار فى هذه السياسات.
ومن الناحية الوظيفية، فإن الدولة كفاعل "نشط" يتم تحديها في ظل النموذج الليبرالي الجديد من الناحيتين الاقتصادية والأيديولوجية، بحيث يتم تهميش دورها شيئا فشيئا حتى تنسحب تماما من السوق وتترك المصريين فريسة لرجال الأعمال والذين لا يسعون إلا إلى الربح، ضاربين عرض الحائط بالتكلفة الاجتماعية لهذه التحولات، حيث يتم دفع رجال الأعمال وأنواع معينة من المنظمات غير الحكومية كي يكونوا مرشحين محتملين لتولي العديد من المهام التي سبق أن تولتها الدولة (مثل الخدمات الاجتماعية والدعم الاقتصادي). وماليا، ومع خصخصة الأصول المملوكة للدولة، وانسحاب الدولة من الإنتاج، والضريبة التنازلية، انخفضت إلى حد كبير عائدات الدولة وبالتالي نفوذها الاقتصادي.
ومع اقتران هذا بالهيمنة الأيديولوجية للاقتصاد "النيوكلاسيكي" بتأكيده على الانضباط المالي وخفض ميزانية الدولة (طبعا باستثناء الجيش والأجهزة الأمنية!)، فقد كانت النتيجة هي فقدان الحكومات الوسائل والرغبة في السعي إلى تطبيق سياسات فعالة لمكافحة الفقر، أو سياسات اجتماعية واسعة النطاق وذات مستوى عال.
وبالمثل أدى التركيز الأيديولوجي على فكرة أن "الدولة الصغيرة هي دولة فعالة"، بالإضافة إلى التخفيض المخطط في القوة الاقتصادية، وكذلك الضعف التاريخي، أدى مجمل كل ذلك إلى أن تكون معظم بلدان الجنوب، بما فيها مصر، صاحبة أجهزة دولة هي الأكثر ضعفا والأكثر عرضة للفساد والمحسوبية، من أي وقت مضى.
 وإنه ليس من قبيل المصادفة أن تصل مستويات ووتيرة الفساد إلى حدود لم يسبق له مثيل مع ظهور الليبرالية الجديدة، بدءا من عمليات النصب الشهيرة التي قام بها نواب القروض، إلى قضية يوسف عبد الرحمن في وزارة الزراعة، وهاني سرور وقضية أكياس الدم الملوثة، إلى مختلف الاحتكارات في جميع القطاعات الاقتصادية.
ومن ثم، فإن تقلص القدرة الاقتصادية للدولة لم يؤد فقط إلى إضعاف المستوى المعيشي للغالبية، ولكن الأهم من ذلك أنه يحد من قدرة الدولة على الاضطلاع بدور سياسي أكثر توازنا لمصلحة هذه الأغلبية.
المواطن باعتباره زبونا
 بالنظر إلى الأساس الأيديولوجي للنموذج، فإن الليبرالية الجديدة لا تقتصر فقط على فرضية اختزالية حول الإنسان الاقتصادي: فكرة أن البشر كائنات اقتصادية تحركها رغبتها في تعظيم مكاسبها، ولكنها تمثل أيضا فهما خاصا للغاية لليبرالية السياسية.
وبحسب راولز ودوركين، وهما اثنين من أكثر الكتاب انتشارا في فلسفة الليبرالية الحديثة السياسية، فإن هناك مفهومين جوهريين يتعلقان بالليبرالية؛ الأول: هو "الاهتمام والاحترام المتساوي لجميع المواطنين".
الثاني: هو دور الدولة في ضمان "استقلالية" المواطنين في اختيار ومواصلة مشاريع حياتهم.
وفي ظل الخطاب الليبرالي الجديد، فإن هذين المبدئين قد فهما على أنهما يعنيان حيادية الدولة، وعلى أن فكرة العدالة الاجتماعية والاقتصادية هي نتيجة وليست هدفا من أهداف السياسات الاقتصادية الكلية والتشكيل السياسي للدولة.
وهذا لعمرى فهم معوج لليبرالية لأن الليبرالية الاقتصادية لا يمكن أن تؤدى دورها بالدفع بالاقتصاد إلى الأمام بدون ليبرالية سياسية تجعل نواب الشعب يراقبون عمل الحكومة ولا يمررون من القوانين إلا ما يحقق المصلحة العامة وليس مصلحة فئة صغيرة يوجه الجهد التشريعى والتنفيذى، بل ومع بالغ الأسف القضائى لمصلحتها حتى وصل الأمر إلى ترتيب دوائر معينة بالإتفاق مع وزير العدل للقضايا المتصلة بكبار رجال الأعمال ومرة ثانية نقول إنه (لا يمكن أن تنقل نموذجا ما من  دولة دون أن يتم تطويعه محليا ليناسب الظروف الاقتصادية والإجتماعية السائدة.)
التركيز على الاستقلالية الفردية والاحترام المتساوي بين جميع المواطنين
 في ظل هذا النموذج أصبح يعني أن كل فرد يجب أن يكون مسؤولا عن سلامته ويتحمل المسؤولية، مهما كانت النتائج التي تأتي من المنافسة في السوق المفتوح، وهو أمر يفتقد لأي عدالة لتباين القدرات بين القادرين وغير القادرين الذين لا يملكون الإمكانيات الكافية.
 وبالتالى فإنهم يحتاجون إلى الدولة وهو ما لم يحدث عندنا مع أن الحكومات فى أعتى النظم الليبرالية تقوم بسد الفجوات بين مواطنيها بوسائل مختلفة لتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لهم، ولكن اتساع الفجوة فى الهرم الاجتماعى قفز بأعداد كبيرة إلى حد الفقر وتدنت المكانة الاجتماعية لكثير من الشرفاء، وغدا المثل القائل بالعامية: "معاك قرش، تسوى قرش".
 مع التجاهل التام لحقيقة أنه لتمكين المواطنين من صياغة ومتابعة مشاريع حياتهم، وحتى يتمكنوا من الحصول على المساواة في الاهتمام والاحترام، فإن ذلك يستدعي تدخل الدولة لتعديل الكثير من الأوضاع الهيكلية وتمهيد الساحة السياسية، وهو ما أغفلته حكومتنا الرشيدة وكأن العمى قد أصاب عين بصيرتها.
إن سريان نموذج الليبرالية الجديدة وعلى النقيض من المراحل السابقة للتطور الرأسمالي، تلك المراحل التي اشتملت فيها حقوق المواطنة على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وليس فقط الحقوق المدنية أو السياسية، ومع التغيرات التي جرت مناقشتها أعلاه، حرمت غالبية السكان في جميع أنحاء العالم من كثير من حقوق المواطنة السابقة.
وفي هذا الصدد، فإن مصر ليست استثناء. فإن فكرة تخفيض الإعانات وإهمال التعليم الذي اعتاد الجمهور أن يكون مجانيا"، والتركيز على جودة خدمات الرعاية الصحية داخل القطاع الخاص بدون ما يعادلها في القطاع العام، هي كلها دلائل على هذا التحول من المواطن إلى الزبون.
 فهؤلاء الذين يمكنهم شراء السلع والخدمات (بما في ذلك التعليم، والرعاية الطبية، والمأوى... إلخ) هم "أحرار ومتساوون" في أن يختاروا من بين ما يقدمه السوق، بينما هؤلاء الذين لا يمكنهم، نظرا لفقرهم، شراء حقوقهم من خلال سوق، فهم أيضا "أحرار"، حتى وإن كانت حريتهم تعني الخروج من الحياة.
وبالمثل فإن مبدأ "الاستقلالية الفردية" الذي أكد عليه النموذج الليبرالي الجديد لا يعني فقط أن كل شخص مسؤول عن العناية بنفسه دون إعطاء أي اعتبار لاختلاف القدرات الاقتصادية بين هؤلاء الأشخاص، ولكنه يعني أيضا استبعاد أي شكل من أشكال التنظيم أو التحرك الجماعي.
بعبارة أخرى، فإن الأفراد أحرار ومستقلون في اتخاذ خياراتهم كمستهلكين ومنافسين، ولكنهم مجبرون على الابتعاد عن تنظيم نضال سياسي من أجل المطالبة بحقوقهم. وهذا الأمر يكشف زيف التطبيق الليبرالى فى مصر وغيرها من النظم المستبدة حيث تم تطبيق الشق الاقتصادى فقط من النموذج الليبرالي دون السياسى.
وبالمقابل فإنه يتم دفع هؤلاء المساكين الذين طحنتهم الرأسماله المتوحشه على إيجاد سبل أو آليات للتكيف مع ديناميكية السوق غير المنصفة لهم. ويتم توجيه طاقات المواطنين بعيدا عن "المطالبة" بالحقوق، سواء عن طريق النضال السياسي، أو المشاركة في أنشطة المجتمع المدني، وناحية السعي للبحث عن البقاء على أساس فردي.
 وهم الذين تعودوا على أبوة الدولة وعلى الرضى باستبدادها فى مقابل الحد الأدنى من المعيشة الكريمة وهو الأمر الذى لم يعد متوافرا للكثيرين.
على سبيل المثال، بدلا من أن يكون العامل عضوا ناشطا في نقابة ما، فإنه يسعى إلى وظيفة إضافية لمساعدة نفسه في توفير الخدمات التي كانت تتم برعاية الدولة في السابق. وهذا يتحول الإنسان إلى كائن مطحون يعمل لمجرد الاستمرار على قيد الحياة وأى حياة هى؟
إنها حياة بلا طعم ولربما كان هذا هو السبب فى إصابة كثير من المصريين بالكآبه وهو الأمر الذى أكده الدكتور/ أحمد عكاشة رئيس الجمعية الدولية للطب النفسى.
وفي هذا الصدد، فإن أي مراقب للحكومة المصرية يجد تناقضا واضحا بين خطاب الحكومة حول ضرورة أن يكبر الشعب المصري، أو كما ذكر رئيس الوزراء أن "المصريين يجب أن يفطموا"، وكيف أن نفس الحكومة والنظام يضربان بيد من حديد على التحركات العمالية للمطالبة بالحقوق.
فنحن نرى كيف أن مسؤولي النظام  البائد وكتبته يهاجمون أي محاولة لتنظيم السوق في ظل خطاب حرية الاستثمار، في الوقت الذي يرفضون فيه تماما الجانب الآخر من هذه المعادلة – في ظل أكثر النظم تبنيا للرأسمالية – وهي حرية التنظيم.
وردود الفعل التي ظهرت مؤخرا تجاه النقابة المستقلة لموظفي الضرائب العقارية هي مثال على هذا. وبعبارة أخرى، فإن المستثمرين لهم مطلق الحرية في التعيين والفصل وشراء وبيع ما يريدونه، ولكن الجماهير ليست حرة ولا مستقلة في البحث عن والحصول على مصالحها بصورة جماعية.
مجموعة أخرى من التغيرات الهامة، عدا الخطاب الاجتماعي والثقافي، أثرت بصورة مباشرة على العلاقات بين الدولة والمجتمع في إطار الليبرالية الجديدة، هذه المجموعة تشمل التغييرات في:
نظام الإنتاج، أي أنماط الإنتاج والاستهلاك والتراكم، ومحاور وأنماط الصراع والتوسط والتنظيم للتحركات الجماعية. فأولا، أدت إعادة الهيكلة في إطار الليبرالية الجديدة إلى تغيير الأوزان النسبية لمختلف الطبقات والقطاعات، مما أدى إلى تغيير في علاقات القوة التي تنعكس بالضرورة على المجتمع.
كما أن التغيرات في نمط الإنتاج عنت انخفاضا في أهمية العمل المنظم في مواجهة الطبقة الرأسمالية.
فالخصخصة وانسحاب الدولة من الإنتاج كان معناهما تقليصا في حجم القطاع القائد في الطبقة العاملة، وذلك من خلال تفتيته في صورة عمالة مؤقتة بدون أمان وظيفي في منشآت القطاع الخاص، أو من خلال تحوله إلى الاقتصاد غير الرسمي. وهذا معناه استبعاد العمالة المنظمة، التي لعبت دورا هاما  في إطار نماذج التنمية السابقة في الستينيات، من لعب أي دور في تشكيل السياسة العامة.
 ثالثا: الاقتصاديات الموجهة للتصدير
يتجه الإنتاج نحو الأسواق الدولية، وإلى استهلاك الفئات والطبقات المتصلة جيدا بدوائر رأس المال العالمي. في هذا النموذج، لا يعير الرأسماليون التفاتا إلى القوة الشرائية والقدرة الاستهلاكية للطبقات العاملة، وكذلك إلى الأنشطة الاقتصادية لأعداد كبيرة من المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة ومتوسطة الحجم. ونتيجة لذلك، فإن قطاعات كبيرة من هذه الفئات أصبحت مضطهدة أو مهمشة تماما بسبب عملية التكيف الهيكلي الليبرالي الجديد.
وعلى الجانب الآخر، فإن القطاع الخاص أصبح يُنظر إليه وفقا لهذه الفلسفة على أنه العامل الرئيسي للنمو، بينما انسحبت الدولة من عمليات الإنتاج، وقامت في هذا السياق ببيع معظم أصولها الإنتاجية، مما أدى إلى زيادة سوء توزيع الثروة.
وهكذا، فإن الدولة أصبحت تعتمد أكثر من أي وقت مضى على القطاع الخاص بوصفه مركزا للنمو.
 ونتيجة لذلك، فبين عام 1970 وحتى التسعينيات، فقدت الاتحادات والنقابات كثيرا من قوتها السياسية، وقامت الشركات الكبيرة بتعديل هيكلها الإداري وتخفيض عدد الوظائف الأقل شأنا، بينما حصل أصحاب رؤوس الأموال على سلطة أكبر في إدارة الشركات وأصبحت الحكومات أكثر تعاطفا مع رأس المال.
وقد نتج عن هذا الانخفاض في أهمية الطبقة العاملة، باعتبارها حليفا ضروريا لتحقيق الاستقرار والشرعية للدولة، أنظمة جديدة في الأجور والتفاوض بين العمال وأصحاب الأعمال تمنح مزيدا من السلطة لأصحاب العمل وسلطة أقل للعمال والنقابات العمالية – هذا إذا كانت تلك السلطة موجودة في المقام الأول.
 بالإضافة إلى ذلك، فإن اختلال التوازن الناتج عن ذلك بين الدولة والقطاع الخاص، وبين رأس المال واليد العاملة، بسبب تحرير الاقتصاد والخصخصة، قد عرّض الالتزام من جانب نخبة الحكم بسياسات العدالة الاجتماعية للخطر.
مع تراجع عمالة القطاع العام في ظل الليبرالية الجديدة كان هناك صعود في الاقتصاد غير الرسمي، وهو القطاع غير المنظم الذي انتشر وتجزأ بحيث تجاوز عدد العاملين فيه عدد العاملين في القطاع الرسمي من الاقتصاد. ونظرا لتنوع طبيعة هذا القطاع، من حيث المهن والتوزيع الجغرافي، فإنه من الصعب على العاملين به تنظيم أنفسهم، مما يجعلهم فريسة للتهميش والسيطرة، ويجعل أهميتهم النسبية في أي تحالف سياسي أقل بكثير. وقد انعكس هذا التغير في القوة النسبية لمختلف الأطراف، على إمكانيات العمل الجماعي من جانب الطبقة العاملة ـ الطبقة التي تشكل غالبية المجتمع.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن العمال في تعريفنا لا يضمون فقط ذوي الياقات الزرقاء أو الأفراد العاملين في المصانع، بل كل من يبيع جهده مقابل حد أدنى من الأجر.
إن أثر هذه التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في شأن إسكات الأغلبية، قد تضاعف بسبب الخطاب الاجتماعي الثقافي الذي تتبناه الليبرالية الجديدة، ذلك الخطاب الذي يؤكد على أهمية الإنجاز المادي وفهمه على أنه نتيجة جهود ونجاحات فردية مستقلة عن أية أوضاع هيكلية.
رابعا: التفوق التكنوقراطي والحلول التقنية
آخر الخصائص السياسية التي يتحمل الجماهير عبئها نتيجة لسياسة الليبرالية الجديدة، هو التغيير في النخبة الحاكمة، ليس فقط من خلال انحيازها الذي لم يسبق له مثيل إلى جانب الرأسماليين الكبار، وهو أمر ناقشناه أعلاه، وإنما أيضا من خلال التحول إلى ما يسمى مبدأ تقديس التكنوقراطية والتكنوقراطيين.
إن طريقة عمل المنظور التكنوقراطي الليبرالي الجديد هو عزل صنع القرار، حيث تصبح عملية صنع السياسات تخص فقط التكنوقراطيين والخبراء، مع إبعادها أكثر فأكثر عن مختلف قطاعات المجتمع، باعتبارهم ممثلين لمصالح "فرعية وجزئية". هذا المنهج يؤدي بالتعريف إلى استبعاد الفئات الأقل قوة من توجيه السياسة العامة لصالحها.
وكما ذكر ديفيد هارفي: "إن الليبراليون الجدد... يشكّون في الديمقراطية إلى حد بعيد.. فالحكم بواسطة الأغلبية يعد تهديدا محتملا لحقوق الفرد"، وفي مصر، هذا يعني أمرين:
1ـ التحول من الشراكة الشعبوية بكل ما عنته من مكاسب مادية – بالرغم من تفاهتها – حققتها أوسع قطاعات اجتماعية، إلى محدودية القرار الفنى المعزول عن الطبقات صاحبة المصلحة.
2 ـ الانتقال من بيروقراطية الدولة إلى التكنوقراطين كواجهة أساسية لصنع السياسة.
وهكذا.. ففي ظل الليبرالية الجديدة كان هناك تحول عن سياسة إدماج قطاعات المجتمع المهمة من خلال المنح المادية المقدمة للمؤسسات الجماعية التي تسيطر عليها الدولة، مثل النقابات الحكومية، وتعاونيات المزارعين، والاتحادات الطلابية، وهي مؤسسات رغم كونها غير ديمقراطية وغير شاملة بما فيه الكفاية، إلا أنها كانت مضطرة لتقديم منافع مادية لأعضائها، مثل إعادة توزيع الأراضي والحيازات الصغيرة على المزارعين، ومثل الإعانات والوظائف الدائمة للعمال والموظفين، ومثل الخدمات الاجتماعية المجانية. علاوة على ذلك،  فقد ضمنت هذه المؤسسات على الأقل الحد الأدنى من استجابة الدولة تجاه هذه القطاعات المهمة في المجتمع.
ومع ظهور الليبرالية الجديدة، فإن هذه الآليات الشعبوية، التي لم تكن أصلا كاملة أو جيدة، أصبحت غير مقبولة اقتصاديا بسبب تقلص عائدات الدولة، وغير مقبولة سياسيا لأنها مكلفة وغير فعالة.
بدلا من ذلك، فإن النموذج الجديد الذي يرعى مصالح القلة بدأ في تفكيك هذه الجهات، أو على الأقل إلغاء مزاياها المادية وأهميتها السياسة، مع محاولة الحفاظ على سيطرتها السلطوية على مختلف قطاعات المجتمع.
على سبيل المثال، توقفت النقابات العمالية في الدولة عن منح العمال مزايا وأرباح مادية، ولكنها استمرت في إجبارهم على قبول ترك وظائفهم (المعاش المبكر) وقبول المزايا المخفضة والتخلي عن الحق في الإضراب. والأهم من ذلك، أن قضايا مثل الفقر والتعليم والسياسة الاجتماعية والاستراتيجية الاقتصادية أصبحت مجرد مسائل فنية تتطلب تغييرات إصلاحات إدارية أو تقنية محدودة، ولم تعد تعتبر قضايا سياسية عميقة تتطلب إجراء تغييرات هيكلية.
وباختصار، فإن منطق الليبرالية الجديدة هو إلغاء تسييس الأمور التي تعد بالتعريف مسائل تتعلق بالسلطة، واختزالها إلى مشاكل فنية. ومن ثم، وكمجرد مثال على ذلك، فإن مسألة الإعانات أو مجانية التعليم أصبحت قضايا إعادة برمجة وليست مسائل تتعلق بتوزيع الموارد في المجتمع.
هذا التحول كان يبحث عن منفذيه الجدد المخلصين للمهمة. من هنا أصبح التكنوقراطيون،  ومعظمهم ذوو تعليم أجنبي وغير مسيسين، ولديهم خبرة في مجال فني محدود للغاية، هم قوام طبقة المسؤولين السياسيين، وحلوا محل الطبقة المتوسطة من البيروقراطيين والسياسيين التي لعبت أدوار الإدارة السياسية في عصور سابقة.
وفي الحالة المصرية، فإن هؤلاء  كانوا يتركزون في لجنة السياسات في الحزب الحاكم التي تم تأسيسها حديثا. فكّر في أسماء مثل جمال مبارك، يوسف بطرس غالي، محمود محيي الدين، محمد كمال، وأسماء كثير غيرها، ما هي المؤهلات والخبرة السياسية التي يمتلكونها؟ جميعهم كانوا مجهولين من الناحية العملية، ودون أي وظائف سياسية، حتى أصبحوا فجأة من كبار واضعي السياسات على أساس أنهم "خبراء"، كل في مجال اختصاصه. الطريف أن هذه الدائرة التكنوقراطية الشريرة لا تتوقف عند هؤلاء المسؤولين الكبار. فكل شخص من هؤلاء "الكبار" يحيط نفسه/نفسها بمجموعة من المستشارين والمساعدين الذين هم أساسا تكنوقراطيين صغار.
وقد حلت محل الصورة القديمة لوكيل الوزارة الموظف الحكومي، الذي يتلقى مرتبا جيدا ويركب سيارة نصر أو فيات 128 يقودها سائق من الوزارة، ولكنه رغم ذلك يعاني في محاولته لتحقيق الكفاية المادية، وأحيانا يلجأ إلى الفساد المقنع (الرشوة) من أجل دفع نفقات الأسرة؛ نقول:حلت محل هذه الصورة صورة "المكتب الفني للوزير"، واللجان غير الحكومية المكونة من شباب الطبقة العليا من خريجي الجامعة الأمريكية وغيرها من الجامعات الأجنبية برواتب لا تصدق. راتب كل من هؤلاء الشباب التكنوقراطيين لا يعادل فقط راتب ما لا يقل عن 20 من خريجي الجامعات الوطنية الذين لا يتم توظيفهم من قبل الدولة بحجة ترشيد النفقات الحكومية.
ولكن الأهم من ذلك أنهم ينفصلون تماما عن الجماهير/غالبية المجتمع بفضل اختلاف التعليم والمكانة الاجتماعية ونمط الحياة الراهن.
وأخيرا، فإن هؤلاء التكنوقراطيين في جميع أنحاء العالم غالبا ما يكونوا خريجي جامعات أقصى اليمين (مثل جامعات شيكاغو أو إلينوي أو جونز هوبكنز في الولايات المتحدة)، وهم يتلقون تدريبا أيديولوجيا تكنوقراطيا محدودا يميلون إلى اعتباره قمة التعليم العلمي الأكاديمي.
أقول فى النهاية، إننا يجب أن نحمد الله على نجاح هذه الثورة المباركة وإن كانت هذه الدراسة قد كشفت بوضوح الصورة القبيحة لليبرالية التى كانت مطبقه فى مصر قبل الثورة ومدى ما أفرزته من دمار سياسى واقتصادى واجتماعى، فإن هذا يجب أن يدفعنا إلى التمسك بضرورة التفرغ لمرحلة البناء وعدم الانحراف إلى مسارات فرعية تحاول فلول الثورة المضادة دفعنا نحوها، هذا هو واجب الوقت فاعتبروا يا أولى الألباب.

الجمعة، 15 يوليو 2011

تهييس الإعلام

معتز بالله عبد الفتاح يكتب : تهييس الإعلام

الكاتب : أنصار بورسعيد الجمعة 15 يوليو 2011 الساعة 04:10 مساءً

أول مرة فى حياتى تتاح لى فرصة أن أكون جزءا من عملية سياسية تجعلنى أعرف تفاصيل داخلية تتناولها الصحف. وبالتالى أخوكم أصبح يرى مشهدين: أحدهما الحقيقة من الداخل، والآخر الصورة الذهنية التى يرسمها الإعلام والصحافة. بصراحة المفارقة تدعو للتأمل والدهشة.

وأرى من واجبى أن أحذركم من بعض إعلامنا الذى يخلط بلا أى إحساس بالذنب بين الحقيقة والخيال وبين المعلومة والرأى. قد يقع جزء من المسئولية على غياب قانون لتداول المعلومات، ولكن من لا يستطيع الزواج لا يحل له الزنا فيما أعلم.

مثلا إعلان عن أن مفكرا كبيرا اعتذر عن أن يتولى منصبا كبيرا، مع أن هذا الاسم لم يكن مطروحا على الإطلاق. برنامج تليفزيونى يتحدث عن عدد وأسماء محددة لبعض الوزارات وبعض نواب رئيس مجلس الوزراء والحكاية أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع. يبدو أن ماكينة الإعلام لابد أن تعمل، وإن لم تجد فى الحقيقة عملا وجدت فى الادعاء أعمالا. والرهان على ضعف ذاكرة القارئ والمشاهد بالغ. هناك موقع إلكترونى لصحيفة يومية تبدو لى وكأنها متخصصة فى الادعاء، وكأنها لا تضيع فرصة لتثبت أنها متخصصة فى الأكاذيب. القدرة على اختلاق المعلومات مهولة فعلا. والجرأة فى التحليل بالاعتماد على معلومات غير صحيحة ــ جبارة.

لفت نظرى صديق لى إلى مقالة كتبها شخص عن الأموال التى يحصل عليها مستشارو رئيس الوزراء. وكان الرقم المعلن أن كل مستشار يحصل على ١٥٠ ألف جنيه فى الشهر. شخص آخر أشار إلى ٢٥ ألف جنيه فى الشهر لكل مستشار.

وبما أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، فاعتبروا حضراتكم هذا قسما مغلظا أن كل من أعرفهم من مستشارى رئيس الوزراء لا يحصلون على أى مقابل مادى ولا يكلفون الدولة أى مبالغ مالية. وكى أكون أمينا أنا حصلت على «يو إس بى» مودم بـ١٠٠ جنيه عهدة علىّ ولا أستخدمها تقريبا لأن شحنه مرة أخرى يتطلب إجراءات بيروقراطية لا يوجد عندى وقت لإتمامها. ومع ذلك لا بد من شكر الصحفى الذى ذكر ٢٥ ألف جنيه لأنه كان أكثر قربا من الرقم الحقيقى وهو صفر. هناك آية كريمة تقول: «وإذا قلتم فاعدلوا» وهناك حديث يقول: «لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه».

وهناك حديث آخر يقول: «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع». إذا قلت، فقل العدل. ولا تَهَبْ أحدا إذا قلت، ولكن عليك ألا تقول كل ما تسمع، لأن بعض ما يقال قد يؤدى إلى الظلم. عندى الكثير مما أعلمه عن بعض السادة المسئولين تجعلنى أقدر لهم ما يفعلون. ويكفى أن أقول إن أحد قيادات القوات المسلحة الذين يخرجون علينا كثيرا فى التليفزيون يصارع المرض لأنه زرع كبد حديثا، ولكنه واجبه الذى جعله فى يوم يحارب حبا فى الوطن، ويدير ملفا شائكا حبا فى الوطن وهو يسمع بأذنيه شتائم له من «بتوع نضال آخر زمن فى الاستوديوهات» من الذين لا يقدرون للرجال أقدارهم. ولكنه قدرهم. طبعا هذا الكلام لن يرضى الكثيرين ممن لا يرون كل الحق حقا، ولا يريدون، ولا يرون كل الباطل باطلا، ولا يريدون. لكن هذا غير مهم. مصلحة البلد أهم. دمتم ودامت مصر بخير.

البورسعيدية الجدعان

الاثنين، 11 يوليو 2011

د.عبد الله الأشعل يفضح نظام مبارك العميل

العفو عن مبارك بسبب خدماته للقوات الجوية

شباب الإخوان يد واحدة لخدمة الوطن

لا للصحافة الصفراء

Helmy Ana By Cairokee حلمي انا فرقه كايروكي

سبحان الله/فيديو قد يغير حياتك مؤثر جدا قل الحمد لله

الجمعة، 8 يوليو 2011

تأييد الشيخ الحويني لمرشح الرئاسة حازم صلاح .m4v

روزاليوسف ساويرس

جلادو أمن الدولة ومسئولية الوزير

جلادو أمن الدولة ومسئولية الوزير
 
        أضف الصفحه إلى

رجب الدمنهوري

بقلم: رجب الدمنهوري تنامت الأصوات المنادية برحيل وزير الداخلية اللواء منصور عيسوي، ليس فقط لفشل جهاز الشرطة- حتى الآن- في إعادة الأمن والاستقرار إلى الشارع، ولكن أيضًا لتورط بعض أفراده في التعامل مع أبناء الشعب بذات النهج الغابر، فضلاً عن ضلوع عناصر أمن الدولة في تأجيج الفتنة في البلاد وإثارة التوترات والقلاقل، حتى كدنا نقول كلما وقعت مصيبة "فتش عن أمن الدولة".

ويبدو أن وزير الداخلية يعمل بـ"سياسة ليس في الإمكان أبدع مما كان"، والدليل على ذلك استمرار تقاعس قطاع غير قليل من رجال الشرطة عن أداء واجبهم الوطني والتعامل معهم وفق سياسة رخوة، فرغم الشعارات التي أطلقها الوزير منذ توليه المسئولية وتعهداته بمحاسبة المقصرين ومعالجة مكامن الخلل في المنظومة الأمنية، لا نكاد نشهد جديدًا ملموسًا سواء على صعيد هيكلة الوزارة وتطهيرها من الفاسدين والمتورطين في جرائم التعذيب والقتل في مقار أمن الدولة ومراكز الشرطة أو على مستوى الأداء الأمني ومواجهة حالة البلطجة والفلتان.

والحقيقة التي لا جدالَ فيها أنه اذا لم يتم إصلاح بنية جهاز الشرطة على أسس ومعايير المهنية والكفاءة والأمانة كأحد المطالب الرئيسة للثورة، فلا أملَ يرجى في تحسن وشيك، وستظل حالة التردي الأمني تصبُّ في خانة الثورة المضادة، إن لم تكن جزءًا منها.

من سوءات المشهد الأمني الراهن أنه ما زالت تتسرب إلينا وقائع وأخبار، تعيد إلى الأذهان صفحات سوداء من تاريخ النظام المخلوع، وتفيد بأن فلول جهاز أمن الدولة المنحل المنخرطين في جهاز الأمن الوطني تعاود نشاطها مجددًا، وتطل برأسها القبيح لتمارس هوايتها البغيضة في التجسس على خلق الله والتلصص على أنشطتهم وخصوصياتهم، بل والضغط عليهم للتفريط في دماء أبنائهم الشهداء ملوحين بالجزرة تارةً وبالعصا أخرى.

أستاذنا الكبير فهمي هويدي كتب في مقالته بتاريخ 30/6 في صحيفة "الشروق" أنه تلقَّى اتصالاً من بني سويف أجراه أب مكلوم من جرَّاء استشهاد ابنه، يشكو مرَّ الشكوى من تهديدات قاتل فلذة كبده، ضباط أمن دولة؛ لأنه تجرَّأ وقدَّم بلاغًا ضده إلى النيابة العامة، وذات يوم فوجئ والد الشهيد- كما ذكر الكاتب الكبير- بمَن يطرق بابه ويعرض عليه 50 ألف جنيه إن هو تنازل عن بلاغه أو غير في أقواله، وإذا لم يستجب- وفق حامل الرسالة- فباب تلفيق القضايا مفتوح على مصراعيه، بدءًا من الاتهام بالاتجار في المخدرات وانتهاءً بقضايا الدعارة مرورًا بالاعتداء على المال العام وسرقة وتسميم الماشية، وتابعنا لاحقًا وعلى مسئولية الصحيفة نفسها تغيير بعض شهود الإثبات لشهاداتهم في قضايا قتل متظاهرين بعد أن تعرضوا لإغراءات كبيرة.

السيد وزير الداخلية منصور عيسوي يعلم جيدًا وكل المصريين أن النظام البائد منح هذا الجهاز صلاحيات مطلقة تجاوزت القانون والدستور، وبمقتضى ذلك اقترفت أيادي أفراده الآثمة حماقات وجرائم خالفت كل الأعراف والقوانين الإنسانية والمواثيق الحقوقية، فكان ضباطه ومخبروه وأفراده السريون ينغصون على المصريين حياتهم في البيت والعمل والشارع صباحًا ومساءً، ويرتعون في طول البلاد وعرضها للتنكيل بالشرفاء ومصادرة أرزاقهم وانتهاك حرمة أعراضهم وملاحقة أصحاب الرأي والفكر وتلفيق القضايا لهم وتهديدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور.

إن هذا الجهاز المنحل حرم مصر من خير كثير، فطارد أصحاب المبادئ والقيم الإصلاحية من مشارب مختلفة، وغيبهم في السجون، وحال بينهم وبين خدمة بلدهم، ونجح بممارساته الجائرة وتصرفاته الحمقاء وأساليبه الدنيئة في مساعدة النظام المخلوع على البقاء طوال حقبة الـ 30 عامًا، واخترق أجهزة الدولة، وزرع له عيونًا وكتبة تقارير، واستقطب قيادات وطلبة جامعيين، وقضاة وإعلاميين مشاهير وكتاب كبار، ومارس كل أشكال الابتزاز والفساد، والسطو على المال العام، بل كان يقف وراء هندسة ترتيبات سيناريو التوريث اللعين.

أفراد الجهاز المنحل عاشوا واعتادوا على هذه الممارسات القميئة حتى أدمنوها وأصبحت فلسفة ممنهجة ذات فنون وأدوات جهنمية؛ لخدمة النظام المخلوع وحماية عرشه، وليذهب الوطن إلى الجحيم، بل إن هؤلاء من شدة تلطخ أيديهم بدماء الأحرار تأصلت في نفوسهم المريضة شهوات التلذذ بتعذيب الأبرياء والتنكيل بهم، والتسلل تحت جنح الظلام كخفافيش الليل لمداهمة البيوت، والعبث بمحتوياته، وترويع الأطفال والنساء، وإثارة الذعر والفزع في نفوسهم.

الإنسان الطبيعي إذا سمع إنسانًا يتأوه أو يعبر عن آلامه يتعاطف معه، ويقدم له المساعدة ليخرجه من محنته، أما جزارو أمن الدولة فكانوا يرتكبون هذه المشاهد المؤلمة يوميًّا، وعلى مدار الساعة ويمارسونها بسخرية وازدراء وإهانة وأساليب فجة، وما أكثر الذين توفاهم الله تحت سياط هؤلاء الجلادين أو أصيبوا بعاهات مستديمة.

أعرف صديقًا يعمل محاسبًا، وهو شخص محترم وذو سمعة طيبة بشهادة محيطه المجتمعي، والناس اعتادوا اللجوء إليه لحلِّ مشكلاتهم، أوقعه القدر في قبضة هؤلاء السفاحين، وكانت جريمته أن الناس تحبه وتلتف حوله، وإذا به يقضي بضعة أيام في سلخانة "جابر بن حيان" (مع الاعتذار للعالم العربي المسلم الجليل الذي أساءوا إلى اسمه) ليرى هذا الصديق خلال هذه الأيام الأهوال من صعق بالكهرباء، وتعليق على الأعواد، وتجريد من الملابس، وسب بأقذع الألفاظ، وخرج هذا الإنسان النبيل من هذه السلخانة وهو مصاب بعاهة ما زالت تلازمه حتى الآن، ورغم ذلك كان في طليعة المشاركين في الثورة، وعلمت أنه أبلى بلاء حسنًا في ليلة الأربعاء الدامي الشهيرة.

هؤلاء يا سيادة اللواء عيسوي وكل من انتمى إلى هذا الجهاز المنحل لا يجب أن يبقوا في جهاز الشرطة؛ لأنهم عار عليه وسبة في جبينه، ومن باب أولى في الجهاز الجديد الذي نأمل أن يكون جهازًا وطنيًّا بحقٍّ، واسمًا على مسمى وليس جهازًا لحماية أفراد وتعكير صفو حياة المصريين في هذا العهد الجديد.

وأقول ذلك لأن هؤلاء الذين تلطخت أيديهم بدماء المصريين- بشهادة الأطباء النفسيين- لديهم ذوات سادية متضخمة بل وسيكوباتية تراكمت خصائصها على مدى سنوات طويلة تعاملوا خلالها مع المصريين بفوقية واستعلاء مقيت وخداع للعدالة وتضليل للرأي العام، وأظن أنه بات من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن يمارس هؤلاء أي دور وطني وفق قيم الحق والعدالة والإنصاف؛ لأنهم أدمنوا الظلم والتنمر والاستئساد على الآخرين دون رادع من قانون.

سيسجل لك التاريخ يا سيادة الوزير أنك من طهرت الداخلية من الأشرار وعصابات حبيب العادلي وجمال مبارك وحفدة دراكولا وأبنائه، وأمامك فرصة تاريخية أن تدخله من أضوأ أبوابه، فلا تنتظر جريمة يرتكبها هؤلاء حتى تتحرك، فيجب أن تكون هناك مبادرة حقيقية لوضع أسس مهنية وفنية لعمل الجهاز الوطني؛ حتى لا نبيت ونصبح ثم نرى صلاحياته قد تغولت، وعادت ريما لعادتها القديمة، ونكون أمام حالة مستنسخة من جهاز سابق، ولا تغيير إلا في المبنى دون المعنى.

عقليات كهذه لا أظن أن خيرًا يرجى منها، ويجب إبعادها عن جهاز الشرطة استجابة للمطالب الشعبية، هذا إذا أردنا أن تسترد قوى الأمن هيبتها في الشارع على أساس الحق والعدل واحترام حقوق الإنسان، خاصة أن هناك ثأرًا مبيتا بين هؤلاء وأبناء الشعب، وحينما يلمس أبناء الوطن الحر الأبي أن تغييرًا قد حدث، وإن هؤلاء قد جرى استبعادهم، هم وغيرهم ممن أساءوا إلى سمعة الشرطة، وأن ثقافة الجهاز الأمني قد تغيرت، فلن يترددوا في التعاون والوقوف إلى جانب إخوانهم من أبناء الشرطة الشرفاء، ونأمل أن تأتي الرياح بما تشتهي السفن.

إصلاح الداخلية.. التطهير لضبط الأمن

إصلاح الداخلية.. التطهير لضبط الأمن
 
        أضف الصفحه إلى



- إيهاب يوسف: الفساد الموجود يحتاج لسنوات للقضاء عليه
- محمد زارع: التطوير مع أذناب العادلي مستحيل والحل هو الحل
- نجاد البرعي: التطهير ربما يحقق نتائج سلبية والتطوير مطلوب
- العميد قطري: إقالة القيادات الموالين لنظام البائد وإعدام قتلة الثوار

تحقيق: محمود شعبان
تمر مصر بحالةٍ من الانفلات الأمني، وغياب دور وزارة الداخلية في حفظ الأمن وتأمين المواطنين، وهو ما شجع مناهضي الثورة التي ما زالت في مهدها والبلطجية والمرتزقة الذين صنعهم النظام السابق على أن يعبثوا بمقدرات البلاد دون خوف، أو اعتبار من العقاب والمجازاة، وهو ما ألقى بظلاله على أداء جهاز الشرطة الذي ظهر بشكلٍ مهترئ وضعيف.

وما زال فكر وسياسة النظام البائد هي المسيطرة على أداء وزارة الداخلية هي المتبعة، في ظل احتفاظ رجال العادلي بمواقعه ومراكز القوى داخل الوزارة.

(إخوان أون لاين) يناقش تطهير وزارة الداخلية وتطويرها تماشيًا مع المرحلة الجديدة التي فرضتها ثورة 25 يناير في سطور التحقيق التالي:
في البداية يقول د. إيهاب يوسف رئيس جمعية الشرطة والشعب إن وزارة الداخلية مرتع للفساد المتجذر والمتعمد من النظام السابق، الذي كان يسمح لقطاع الشرطة بالتحرك بحرية وبدون أي حدود لتجاوزاته مع الشعب حتى يستطيع التحكم في البلد كيفما شاء، وكان جل اهتمامه هو الأمن السياسي وليس أمن الشعب.

ويضيف أن الوزارة في حاجة إلى وقت كبير لتستطيع النهوض مرةً أخرى والوقوف أمام الانفلات الأمني بيد حديدية لا بيد مرتعشة كما هو الواقع الآن، إلا أنه يرفض تصريحات الإحباط والتثبيط التي خرجت على لسان وزير الداخلية في الفترة السابقة بأن الشرطة قد انتهت وانكسرت ولا رجعة لها بعد ذلك، منوهًا بضرورة أن تخرج التصريحات الفاعلة والمتفائلة لكي يطمئن الناس حتى ولو كان المتحقق من عمليات التطوير والإنجاز على مستوى وزارة الداخلية ضئيل.

ويؤكد أن رجال العادلي ما زالوا يعبثون بسياسات الوزارة إلى الآن، ويتمتعون بكل الامتيازات ويتحكمون في صناعة القرار داخل الوزارة، وهو ما يتنافى مع ما قامت الثورة من أجله وهو تطهير البلاد تمامًا من النظام السابق، وأتباعه بمَن فيهم رجال الداخلية الفاسدون.

ويوضح أن رجال العادلي يسعون لإفساد كل الخطط والسياسات التي تم الاتفاق عليها من أجل إصلاح وزارة الداخلية لولائهم الشديد للوزير الأسبق حبيب العادلي الذي كان يقربهم له، ويمنحهم الكثير من الامتيازات والأموال الطائلة والمناصب الحساسة في قطاعات الوزارة المختلفة ليضمن ولاءهم له.

وحول الأطر المطلوب إتباعها من أجل تنقية وتطهير وزارة الداخلية يقول: يجب على الوزارة إتباع بعض الوسائل في تنمية وتطوير وزارة الداخلية أهمها على الإطلاق الارتقاء بمستوى التدريب والتأهيل؛ لأن ثقافة التدريب والتأهيل الحالية متأخرة جدًّا ولا جدوى من إتباعها الآن نتيجة لاستحداث وسائل جديدة في العالم يتم استخدامها في تأهيل وتدريب الضباط ورجالات الشرطة، بالإضافة إلى تنمية الولاء لمصر وللمؤسسة وليس للأشخاص وهذا يتطلب الجودة في اختيار المنوط بهم إدارة وزارة الداخلية على أساس الكفاءة، وليس الثقة كما هو متبع الآن حتى لا يستنسخ الوضع الحالي مرةً أخرى.

ويشير إلى ضرورة استخدام التكنولوجيا الحديثة في عمليات التأمين والاهتمام الجيد والقوى بالشكاوى المقدمة إلى وزارة الداخلية والمتعلقة بتجاوزات ضباط الوزارة، ومحاكمتهم في حالة ثبوت إدانتهم وعزلهم من أماكنهم حتى لا يعودوا مرةً أخرى إلى ممارسة البطش والظلم.

ويقترح تخصيص أرقام تليفونات لتلقي التجاوزات والشكاوى التي يقدمها الناس ضد تجاوزات الداخلية، مطالبًا الوزارة بأن تقوم بفتح ملف فساد الضباط واللواءات الذي فاحت رائحته بشكلٍ كبيرٍ في الفترة الماضية، لتعود الثقة بينها وبين الشعب مرةً أخرى.

وحول إمكانية وجود وزير مدني على رأس وزارة الداخلية، أوضح أن أبناء الوزارة لن يتقبلوا وزيرًا مدنيًّا أو عسكريًّا على الإطلاق لأنهم يرون في ذلك انتقاصًا لكرامتهم، فضلاً عن أن القادم من الخارج لن يكون على دراية بتفاصيل وزارة الداخلية.

حل الشرطة
 الصورة غير متاحة
محمد زارع
ويضيف محمد زارع رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائي أن تطهير وزارة الداخلية هو حل جهاز الشرطة نظرًا لمشاكلها المستعصية والمناخ الذي لا يساعد على أي تطوير أو إصلاح؛ لأن الوجوه القديمة هي التي تتحكم في مفاتيح الوزارة، وبالتالي لا أمل في إصلاح يقوم به رجال النظام البائد الذين كانوا يمارسون الاعتقال والتعذيب والقتل ضد الشعب بأكمله.

ويوضح أن وزارة الداخلية التي يزيد عددها عن 2 مليون شخص تعتبر أكبر جهاز إداري في مصر فلا تصلح معها المسكنات ولا الحلول المؤقتة، ومن ثَمَّ لا بد من حلولٍ جذرية لوزارة الداخلية.

التطوير
ويرى نجاد البرعي رئيس مجلس إدارة مؤسسة تنمية الديمقراطية أن الأفضل لإصلاح الداخلية هو استكمال التطوير لما هو قائم الآن، وليس إزالة كل شيء موجود لمخاطره الكثيرة وتبعاته المالية، مطالبًا بتحسين إدارة إمكانياتها في الفترة الحالية حتى تستقر الأوضاع.


 الصورة غير متاحة
نجاد البرعي
ويطالب بإقالة كل القيادات الفاسدة التي تدين بالولاء للنظام السابق وعزل غير القادرين على التأقلم مع متطلبات المرحلة الحالية بعد الثورة ومراجعة سياسات الوزارة السابقة وتقييم ما قدمته من نتائج وما خفقت في تحقيقه والعمل على إعادة توجيه بوصلة الوزارة مرة أخرى، وتوفير برامج للتثقيف السياسي والمهني للضباط والعساكر ليكونوا قادرين على تلبية متطلبات المرحلة، مشددًا على ضرورة الإسراع في محاكمة الضباط الفاسدين والمتهمين في قتل الشهداء، حتى لا يثير بطء المحاكمات سخط المواطنين، موضحًا أن ذلك من شأنه ترسيخ مفهوم دولة العدالة والقانون.
ويرى أن تولية وزير مدني لشئون وزارة الداخلية في الوقت الحالي ستكون مهمة صعبة جدًّا ولن يستطيع إدارتها لما تعانيه من فساد وسوء إدارة، مؤيدًا فكرة تولي رجل عسكري شئون الوزارة لأن العديد من العسكريين تولوها في الفترات السابقة ونجحوا في إدارتها بشكل كبير أمثال شعراوي جمعة وممدوح سالم.

إجراءات عاجلة
 الصورة غير متاحة
محمود قطري
أما العميد السابق محمود قطري فيرى أن وزارة الداخلية تحتاج إلى تطهير شامل وكامل من الفساد والرشوة وتجبر الضباط المستشري فيها، مطالبًا بإجراءات عاجلة لتعود الوزارة مرةً أخرى إلى مهمتها الحقيقية في تأمين الناس لا ترهيبهم.

ويشدد على ضرورة إقصاء كل قيادات الصف الأول والثاني والثالث في الشرطة لفسادهم بالإضافة إلى إقصاء كل أعضاء المجلس الأعلى للشرطة ومدراء الأمن بالمحافظات، ومدراء المباحث في الوزارة، وإقصاء كل من له صلة بقتل المتظاهرين ومحاكمتهم بشكل سريع بدايةً من العزل من الوظيفة والحبس إلى إعدام المتورطين.

ويطالب بتعميم نشرات دورية للتبليغ عن الفساد والرشوة في وزارة الداخلية واستقبال الشكاوى والبلاغات المتعلقة بفساد الضباط والبت فيها بشكلٍ سريع، بالإضافة إلى تدخل الدولة والرقابة الداخلية والمخابرات لإصلاح الداخلية بشكل جيد وسريع، مشددًا على ضرورة فصل كل القيادات التي تصنع "الشلل" و"المحسوبيات".

الخميس، 7 يوليو 2011

الليبرالية...دراسة في المفهوم والنشأة والتطور(2)

الليبرالية...دراسة في المفهوم والنشأة والتطور(2)

الكاتب : أنصار بورسعيد الثلاثاء 05 يوليو 2011 الساعة 10:12 صباحاً

م:عبد المعطى ذكى إبراهيم
النشأة والتطور

أولا: نشأة الليبرالية

كثر استعمال الكلمة في أوروبا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وهما قرنا الصراع بين الكنيسة (السلطة الكهنوتية) والعلوم المادية والمكتشفات العلمية.
فقد كانت الكنيسة تطارد علماء المادة ومكتشفي خصائصها، في كل بقاع أوروبا، ولم تكن تسمح لأحد بالخروج عن منهجها، فحين أتى جاليليو وزميلاه بنظرية كروية الأرض بالأدلة والبراهين المادية، قامت قيامة الكنيسة، وطاردت الثلاثة، فمنهم من فَرَّ، ومنهم من آثر السلامة ورجع عن نتائجه، وكذبها ظاهراً، ومنهم من سلخته الكنيسة ونزعت جلدَه حياً حقيقة وواقعاً.
فالحرية التي أرادها القوم هي الحرية من تسلط الكنيسة على الأفكار والمكتشفات.
وأكاد أجزم في ضوء تاريخ الكنيسة وكتابها المقدس، بأن العلماء وعامة الناس كانوا مضطهدين في أفكارهم، وفي ممتلكاتهم، وفي أزواجهم، وفي أولادهم وبناتهم، وفي تشريعاتهم وتقنينهم، حتى فيما يأكلون ويشربون....، اضطهاد له جذور يعود امتدادها إلى أكثر من ألف عام.
وكان هذا الاضطهاد مبنياً على انحراف عقدي، من أن عيسى أحد الأقانيم الثلاثة للإله، وأنه صاحب الصلاحية المطلقة في الكون، وأنه وهب تلك الصلاحيات إلى الكنيسة، فهي وريثة المسيح، ولها ما كان لعيسى من القداسة والسلطان.
فالغرب أراد التحرر من الكنيسة، التي ظلمتهم في كل روافد الحياة.
من هنا ظهرت الليبرالية الغربية التي تعنى حق الفرد في الحياة كما يريد، دون التقيد بأي قيد أو شرط، ويعبرون عن ذلك بقولهم: دَعْه يفعل ما يشاء، ويَمُر من حيث يريد، ولا شك أن هذه المطالبة جاءت للتحرر من قيود الكنيسة، التي حرفت الإنجيل، وأخرجته من وحي إلهي إلى كلام بشري.
ولقد قامت حركة التنوير الأوروبية وفق تسلسل مرحلي تلقائي؛ بدءاً من العلمانية ثم الليبرالية وأخيراً الديمقراطية، بحيث لا يمكن عزل أي مرحلة منها عن الأخرى، أو تجاوز اللاحقة منها السابقة، فكانت بداية النهضة الأوروبية مع حركة العلمنة التي تعني تحرر العقل العلمي من سلطان الكنيسة الجائر، وإعفاءه من الالتزام بالولاء لما يتناقض مع أولى بديهياته، ونادت بإطلاق حرية العقل في التجريب والملاحظة بعيداً عن المسلّمات الأولية المتناقضة في النصوص الدينية، ولم يكن ذلك يعني التملّص من الإيمان الديني عند معظم العلمانيين؛ بل كانت حركتهم موجهة نحو تخليص العقل من سلطان الكنيسة لعدم إمكان الجمع بينهما، ومن ثَم عزل الإيمان الغيبي (الميتافيزيقا) عن الواقع التجريبي المحسوس بناء على التسلسل المرحلي السابق ذكره، فإن الليبرالية الاقتصادية والأيديولوجية لم تنشأ في الغرب إلا بعد شيوع العلمنة وتخليص العلم من سلطان الكهنوت، وهكذا فقد كان من الطبيعي أن تثور العقلية العلمانية على أيديولوجيا التسليم بالمطلق ومنح العلم صفة النسبية.
وتزامن ذلك مع تطلع الفرد للتحرر الاقتصادي من نير الإقطاع، وتحالف البورجوازية الناشئة مع الطبقة الكادحة التي أصبحت أكثر وعياً وثقافة، مما أدّى إلى تقلّص سلطات الإقطاعيين ومنح الطبقات الدنيا حرية العمل والتملك.

ثانيا: أثر ذلك التغيير العقلي والاجتماعي في المجتمع الأوروبي
نشأ النظام الديمقراطي كتطور تلقائي ليحل بديلاً عن نظام التوريث الإقطاعي الملكي، وما كان ذلك ليحدث لولا تغلغل الفكر العلماني الليبرالي في المجتمع، والذي أشاع مبادئ الحرية الفردية وحق تقرير المصير، مما أدَّى إلى تدخل الأفراد في انتخاب السلطة الحاكمة، ومن ثم نشوء النظام الديمقراطي القائم على الاقتراع ورأي الأغلبية.
على الرغم من أن الليبرالية عادة ما تُنسب إلى الفيلسوف الإنجليزي (جون لوك 1632- 1704) إلا أن (جون لوك) كان يهدف في الأساس من أفكاره السياسية إلى التحرر من سلطات الكنيسة السياسية، وما رسخته من أفكار حول نظرية التفويض الإلهي للملوك والتي نظَّر لها السير (روبرت فيلمر) في كتابه (دفاع عن السلطة الطبيعية للملك) والذي ذهب فيه إلى أنه «على من يؤمنون بأن الكتاب المقدس منزل من عند الله أن يسلِّموا بأن الأسرة الأبوية وسلطة الأب أقرهما الله، وانتقلت هذه السيادة من الآباء إلى الملوك».
ومن أجل دحض آراء (فيلمر) هذه ذهب (لوك) إلى تصور أن الأفراد في «الحالة الطبيعية» يولدون أحراراً متساوين (وهذه هي نقطة الانطلاق في المذهب الليبرالي كله) وأنه بمقتضى العقل توصل الناس إلى اتفاق «عقد اجتماعي» تنازلوا فيه عن حقوقهم الفردية في القضاء والعقاب للجماعة ككل؛ وعلى هذا تكون الجماعة هي السيد أو الحاكم الحقيقي؛ وهي تختار بأغلبية الأصوات رئيساً أعلى ينفذ مشيئتها.
وكان (فولتير) من أشهر زعماء الليبرالية في فرنسا والذي يعد تلميذاً خالصاً لـ (لوك) من الناحية الفلسفية البحتة، ولكنه يتجاوزه من حيث القدرات الأدبية في التأثير ونقده إلحاد وسخريته اللاذعة. وكانت قضية (فولتير) الرئيسية هي تحرير العقلية الأوروبية تماماً من المسيحية الثالوثية عقائد ومفاهيم وقيماً؛ وهكذا كان يصرخ بعنف وسخرية: «إن لديَّ مائتي مجلد في اللاهوت المسيحي؛ والأدهى من ذلك أني قرأتها وكأني أقوم بجولة في مستشفى للأمراض العقلية».
واتساقاً مع ما سبق فقد دافع (فولتير) دفاعاً مريراً عن حرية الرأي بالنسبة للعقائد والأفكار؛ ولهذا تتردد له تلك المقولة الشهيرة: «أنا لا أوافقك القول، ولكني سأدافع حتى الموت دفاعا عن حقك في قوله».

جون ستيورات مل:
يعد (جون ستيورات مل) منظِّر الليبرالية الأكبر والذي اهتم في كتابه (عن الحرية) بشرحها شرحاً وافياً، وقد حدد أن الغرض من كتابه هذا هو تقرير المبدأ الذي يحدد معاملة المجتمع للأفراد «ومضمون هذا المبدأ هو أن الغاية الوحيدة التي تبيح للناس التعرُّض بصفة فردية أو جماعية لحرية الفرد هي حماية أنفسهم منه؛ فإن الغاية الوحيدة التي تبرر ممارسة السلطة على أي عضو من أعضاء أي مجتمع مُتَمَدْيِن ضد رغبته هي منع الفرد من الإضرار بغيره، أما إذا كانت الغاية من ذلك هي الحيلولة دون تحقيق مصلحته الذاتية أدبيةً كانت أم ماديةً، فإن ذلك ليس مبرراً كافياً؛ إذ أنه لا يجوز مطلقاً إجبار الفرد على أداء عملٍ ما، أو الامتناع عن عملٍ ما».
ثالثا: أثر الليبرالية على الديمقراطية
الديمقراطية لا تنتسب بجذور النشأة إلى الليبرالية، فقد عرفت أثينا الديمقراطية المباشرة منذ زمن موغل فى القدم ويسبق ظهور الليبرالية بكثير ولكن الليبرالية أضافت كثيرا إلى الديمقراطية.
ففى أثينا اقتصر حق التصويت  على المواطن الحر الذى يمتلك قدرا من الثروة وبرهن دائما على احترامه للقوانين وقام بالوفاء بالتزاماته تجاهها، وفى مقدمتها التزامه الضريبى، أما العبد الذى لا يملك شيئا حتى نفسه فلم يكن له حق التصويت ومعنى ذلك أن حق التصويت أعطى فقط لمن يملك حتى يدافع عن مصالحه.
وكان هذا طبقا للقانون الذى وضعه فلاسفة أثينا ولا تضعه أغلبيه من الملاك ولا يخضع لتصويتهم، وهو ما تم تطويره فى بريطانيا فيما يسمى مجلس الملاك والذين يمارسون الحكم وفقا لقاعدة تصويت الأغلبية والملزم للجميع.
وقد طور هذا فيما بعد باشتراط أن تكون أغلبيه تعبر عن خط فكرى ورؤية سياسية، وهو ما ترجم فيما يسمى بالأحزاب السياسية أى أن الأغلبية البرلمانية لابد أن تكون أغلبية حزبية وتم الاتفاق على أن الحزب الذى يحصل على الأغلبية المطلقة50%+1) من مجموع أصوات الناخبين هو الذى يحكم، وفيما بعد حدث التطور الليبرالى بمراجعة مفهوم المصلحة. 
فلم  تعد المصلحة مصلحة من يملكون فقط؛ وإنما أضيف إليهم العمال الذين لهم مصالح ترتبط بالأجر وظروف العمل والتمتع بإجازات مدفوعة الأجر ومن حقهم الدفاع عن هذه المصالح، وبالتالى فإن التطوير الذى خلقته الليبرالية هو توسيع قاعدة التصويت.
وفيما بعد جرى توسيع هذا الحق بخفض من له حق التصويت ليلحق الشباب بطابور الناخبين مما أحدث تطويرا فى مفهوم المصلحة لأن الشباب ليس لهم مصلحة آنية ولكن مصلحة مستقبلية.
ولعلاج أزمات الديمقراطية التى تحدث عندما لا تستجيب الأغلبية فى البرلمان لرغبات التغيير فى الشارع، وذلك بطرح الاستفتاءات الشعبية التي تحتكم للشعب للموافقة أو عدم الموافقة على قانون ما أو تعديل دستورى، كذلك تم تحصين بعض المواد الدستورية كالمواد الخاصة بالنظام الملكى أو الدولة المدنية وذلك بفرض أغلبية عالية فى نسب الاستفتاءات تجعل التعديل شديد الصعوبة، كأن نجعل نسبة الموافقة 95% على سبيل المثال.
ولاحتمال وجود أقلية داخل الحزب تعارض توجهات أغلبيته يجرى تصويت داخلى لحسم القرار داخل الحزب، مع حفظ حق الأقلية فى مخاطبة الرأى العام دون أن يعتبر ذلك خروجا على التقاليد الحزبية .

تطور المشروع الليبرالى
أولاً: الليبرالية الكلاسيكية:
وهي مفاهيم الليبرالية التي ظهرت كرد فعل للاضطهاد الذي لاقاه الأوربيون في هذه الآونة.
ويعتبر جوك لوك (1704م) أبرز فلاسفة الليبرالية الكلاسيكية، ونظريته تتعلق بالليبرالية السياسية، وتنطلق نظريته من فكرة العقد الاجتماعي في تصوره لوجود الدولة، وهذا في حد ذاته هدم لنظرية الحق الإلهي التي تتزعمها الكنيسة، وقد تميز لوك عن غيره من فلاسفة العقد الاجتماعي بأن السلطة أو الحكومة مقيدة بقبول الأفراد لها ولذلك يمكن بسحب السلطة الثقة فيها.
وهذه الليبرالية الإنكليزية هي التي شاعت في البلاد العربية أثناء عملية النقل الأعمى لما عند الأوربيين باسم الحضارة ومسايرة الركب في جيل النهضة كما يحلو لهم تسميته، والتى كان من أبرز دعاتها د/ طه حسين الذى دعا فى كتابه (مستقبل الثقافه فى مصر) إلى استلهام التراث الغربى بخيره وشره.   
وقد أبرز آدم سميث (1790م) الليبرالية الاقتصادية وهي الحرية المطلقة في المال دون تقييد أو تدخل من الدولة.
وقد تكونت الديمقراطية والرأسماليّة من خلال هذه الليبرالية، فهي روح المذهبين وأساس تكوينها، وهي مستوحاة من شعار الثورة الفرنسية "دعه يعمل" وهذه في الحرية الاقتصادية "دعه يمر" في الحرية السياسية، وسيأتي التفصيل في مجالات الليبرالية.

ثانياً: الليبرالية المعاصرة
"تعرضت الليبرالية في القرن العشرين لتغيّر ذي دلالة في توكيداتها. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأ العديد من الليبراليين يفكرون في شروط حرية انتهاز الفرص أكثر من التفكير في شروط الانفكاك من سلطان تدخل الدولة وانتهوا إلى أن دور الحكومة ضروري على الأقل من أجل توفير الشروط التي يمكن فيها للأفراد أن يحققوا قدراتهم بوصفهم بشراً.
ويحبذ الليبراليون اليوم التنظيم النشط من قبل الحكومة للاقتصاد من أجل صالح المنفعة العامة. وفي الواقع، فإنهم يؤيدون برامج الحكومة لتوفير ضمان اقتصادي، وللتخفف من معاناة الإنسان.
وهذه البرامج تتضمن: التأمين ضد البطالة، قوانين الحد الأدنى من الأجور، ومعاشات كبار السن، والتأمين الصحي.
ويؤمن الليبراليون المعاصرون بإعطاء الأهمية الأولى لحرية الفرد، غير أنهم يتمسكون بأن على الحكومة أن تزيل بشكل فعال العقبات التي تواجه التمتع بتلك الحرية.
واليوم يطلق على أولئك الذي يؤيدون الأفكار الليبرالية القديمة: المحافظون.
ونلاحظ أن أبرز نقطة في التمايز بين الطورين السابقين، هو في مدى تدخل الدولة في تنظيم الحريات، ففي الليبرالية الكلاسيكية لا تتدخل الدولة في الحريات بل الواجب عليها حمايتها ليحقق الفرد حريته الخاصة بالطريقة التي يريد دون وصاية عليه، أما في الليبرالية المعاصرة فقد تغير ذلك وطلبوا تدخل الدولة لتنظيم الحريات وإزالة العقبات التي تكون سبباً في عدم التمتع بتلك الحريات.
وهذه نقطة جوهرية تؤكد لنا أن الليبرالية اختلفت من عصر إلى عصر، ومن فيلسوف إلى آخر، ومن بلدٍ إلى بلدٍ، وهذا يجعل مفهومها غامضاً كما تقدم.

ثالثا: ليبرالية العولمة
العودة إلى الليبرالية الكلاسيكية كمفهوم، وذلك أن من أبرز معالم العولمة: التخفيف من التدخل الحكومي في انتقال المال عبر الحدود والأسوار السياسية، وذلك لتحقيق أعلى الأرباح، فقد طبّقت الفلسفة الليبرالية عملياً عن طريق الشاويش السياسي الذي يحمي هذه الفكرة القديمة في الضمير الغربي.
لقد أصبح الاقتصاد وسيلة سياسية للسيطرة، ونقل الثقافات الحضارية بين الأمم، ولهذا فالأقوى اقتصادياً هو الأقوى سياسيا، ولهذا اقتنعت الدول الغربية بهذه الفلسفة مع مشاهدتها لآثار الرأسمالية على الشعوب الفقيرة، ومن خلال اللعبة الاقتصادية يمكن أن تسقط دول، وتضعف أخرى.
وجذر العولمة الفكري هو انتفاء سيادة الدول على حدودها ومواطنيها فضلاً عن عدم سيطرتها على النظام الاقتصادي الحر الذي كان يطالب به الليبراليون الكلاسيكيون.
يقول رئيس المصرف المركزي الألماني هناس تيتمار في فبراير من عام 1996م أمام المنتدى الاقتصادي في دافوس: "إن غالبية السياسيين لا يزالون غير مدركين أنهم قد صاروا الآن يخضعون لرقابة أسواق المال، لا، بل إنهم صاروا يخضعون لسيطرتها وهيمنتها" وسوف يكون قادة العالم في المرحلة القادمة (العولمة) هم أرباب المال، وسدنة المؤسسات الاقتصادية الكبرى.
والعولمة مبنية على نظرية اقتصادية ينصح بها عدد من الخبراء والاستشاريين الاقتصاديين. ويقدمونها دون ملل للمسؤولين عن إدارة دفة السياسة الاقتصادية على أنها أفضل نهج وهي (الليبرالية الجديدة new liberalisms) وشعار هذه النظرية (ما يفرزه السوق صالح، أما تدخل الدولة فهو طالح ).
وهذا صريح في إعادة ترميم الليبرالية الكلاسيكية والارتداد إليها بعد التغير الذي حصل بعد الحرب العالمية الثانية.
مما جعل  البعض يعتبر القرن الحادي والعشرين هو قرن المفكر الشيوعي (كارل ماركس) لما يرى من تكدس الثروة بيد طبقة من الناس وانتشار الفقر والعوز في الناس و أخذ الأموال من البشر بأي طريق، والتفنن في احتكار السلع الضرورية وتجويع البشر وإذلالهم باسم الحرية الاقتصادية.
وبناء على ما سبق بيانه نأتي إلى بيان معنى الليبرالية في مجال تداوله الغربي والذي مرَّ بثلاث مراحل تأتي مرتبة من الأدنى إلى الأعلى:
المرحلة الأولى: الليبرالية بمعنى الحرية السياسية وتعني التحرر من سلطة الكنيسة.
المرحلة الثانية: الليبرالية بمعنى الحرية الاقتصاديه وتعني التحرر من سلطة الدولة.
المرحلة الثالثة: الليبرالية بمعنى الحرية الخُلقية وتعني الحرية الفردية المطلقة من سلطة المجتمع والدين والدولة.
والدول الغربية وغيرها تتحد في المجالين الأول والثالث، إلا أن الاختلاف النسبي والكبير في موضوع الحريات الاقتصادية من حيث حجم تدخل الدولة بين الرأسمالية والاشتراكية، كما هو معروف في الاختلاف بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
...........