الجزيرة نت

قائمة المدونات الإلكترونية

الأحد، 29 أبريل 2012

لماذا أدعم الدكتور محمد مرسى رئيساً لمصر؟

هم يدعمون مشروع النهضة

النهضة إرادة شعب - مرسي رئيساً لمصر

الصغير: الحكومة تتبني شعار مش هنمشي الشعب يمشي

مشادة بين الكتاتني وبكري بسبب إتهامه لمجلس الشعب

الشيخ الشعراوي ( الإسلام هو الحل ) رائع

الجمعة، 27 أبريل 2012

بيغنوا للدكتور محمد مرسى ...واحنا معاهم

النبات الخجول Mimosa Pudica

النبات الخجول Mimosa Pudica

قلب اسد أرق من قلوب البشر موثر جداً

قلب اسد أرق من قلوب البشر موثر جداً

فيل يحتضر مشهد مؤثر ومبكي

الخميس، 26 أبريل 2012

الإنذار الأخير للمجلس العسكرى

عصابات الأسد تدفن مصور وهو حي

عصابات الأسد تدفن مصور وهو حي

لقاء مع فضيلة الشيخ نشأت أحمد عقب مؤتمر الهيئة الشرعية للحقوق والاصلاح

النهضة بالفن - وجدي العربي

فضيحة ما يحدث في كنترول قناة المواعين - العكش والأنثى

الثلاثاء، 24 أبريل 2012

إفتعال ازمه السولار فى مصر

رؤيتي _ الدكتور مرسي رئيساً لمصر 2012

نادر بكار يوضح موقفه من الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل بعد رأيه عنه بأنه يح...

بكار: أبو إسماعيل ليس محسوباً علي حزب النور

السبت، 21 أبريل 2012

‫الى الثورة المصرية اغنية دولا مين - يحيى حوى ‬


تبرئة الإخوان المسلمين من تهمة التراجع في القول وإخلاف الوعد "رؤية شرعية"

الكاتب : أنصار بورسعيد السبت 21 أبريل 2012 الساعة 10:22 مساءً

بقلم: فوزي شداد*

من المعلوم أن جماعة الإخوان المسلمين قد أعلنت بعد ثورة 25 يناير المباركة عن موقفها الواضح من انتخابات البرلمان، فقررت التنافس على مقاعده بنسبة محددة وليس بطاقتها الكاملة، متغاضية عن حقها المشروع كأي جماعة أو كتلة أو كيان إصلاحي أو حزب سياسي، سعياً منها لطمأنة الداخل والخارج، وجدية منها للمساهمة في استقرار الأوضاع ونجاح الثورة واستكمال مسار الانتقال السلمي للسلطة وفق مقررات وبنود الدستور وما تمَّ الاتفاق عليه مع المجلس العسكري وكافة القوى السياسية كخارطة طريق للمرحلة الانتقالية، والتزمت الجماعة فعلاً بالنسبة التي حددتها، وحازت على ثقة الشعب فيها، لتمثل لأول مرة أغلبية منتخبة من قبل الشعب بإرادة حرة وبانتخابات نزيهة شهد لها الجميع.


وكذلك كان موقفها منذ ما يزيد عن العام متطوعة غير مجبرة، عن نيتها في عدم الدفع بمرشح منها لمنصب الرئاسة، بعد أن رأت حسب تقديرها ومعلوماتها أن الظروف المحلية والدولية لا تتحمل اتخاذ مثل هذا القرار.



والآن ترى الجماعة نفسها أمام متغيرات كثيرة تدفعها دفعاً لمواكبة الأحداث المتسارعة التي تهدد كل الإنجازات التي حققها شعب مصر العظيم منذ ثورة يناير المباركة، فقد ظهر بوضوح حجم المؤامرة التي تحاك لشعب مصر، وما بدى من سلوكيات المجلس العسكري واستماتته لفرض امتيازات وصلاحيات ومبادئ فوق دستورية يسعى لتقنينها في الدستور الجديد، وإصراره على استمرار حكومة الجنزوري، التي نفضت أيديها عن القيام بمهمة الإصلاح الجاد والتنمية الحقيقية، وتسببت في زيادة معاناة شعب مصر بدلاً من المساهمة الجادة في حل مشكلاته، حتى وصل الحال بمصر وأهلها إلى ظهور مشكلة جديدة مع كل صباح جديد، لتتراكم المشكلات على غيرها من الأزمات غير المتناهية التي تسببت فيها هذه الحكومة أو عجزت عن حلها، والكفيلة بإغراق مصر في فوضى عارمة مقصودة، ومن ثم تشويه صورة برلمان الثورة وإقناع الناس بعجزه وعدم قدرته على القيام بالتغيير المنشود، ثم المطالبة بإسقاطه وحله في نهاية المطاف.


فكان لزاماً على جماعة الإخوان المسلمين من منطلق وعيها بخطورة المرحلة، وبعد أن تخلت عدة أطراف عن التزاماتها المتفق عليها للوصول بمصر إلى بر الأمان، ومن باب الإصلاح وحمل الأمانة التي ألزمت بها نفسها عبر تاريخها الطويل، قررت الجماعة الدفع بمرشح منها لمنصب رئاسة الجمهورية، وجاء في حيثيات قرارها هذا ما يلي :


" لقد كان قرار مجلس الشورى العام بعدم تقديم مرشح للرئاسة من الإخوان – بتاريخ10/2/2011م، والتأكيد عليه في جلسة 29/4/2011م – مبنياً على مبررات داخلية وخارجية لضمان نجاح الثورة، وعدم إيجاد ذرائع لإجهاض عملية التحول الديمقراطي، لكن أمام تلك التحديات التي سبقت الإشارة إليها وغيرها فقد وجدت الجماعة أن هناك تهديداً حقيقياً للثورة ولعملية التحول الديمقراطي وانتقال السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة وفقا للإرادة الشعبية، ومن أهم مظاهر تلك التحديات :


· رفض وتعويق تشكيل حكومة ذات صلاحيات حقيقية معبِّرة عن إرادة الشعب برغم الفشل الذريع للحكومة الحالية.


· التلويح والتهديد بحل مجلسي الشعب والشورى المنتخبين لأول مرة بإرادة شعبية حرة، الأمر الذي ينذر بإجهاض الإنجاز الأهم للثورة الذي تمَّ حتى وقتنا هذا.


· الدفع بمرشح رئاسي أو أكثر من بقايا النظام السابق ودعمهم من فلول الحزب المنحل وأعداء الثورة لمحاولة إنتاج النظام السابق مرة أخرى .


· محاولات إعاقة عمل الجمعية التأسيسية وإثارة الجدل حولها بهدف تعويق إعداد الدستور في المدى الزمني المحدد له.


ولقد حرص الإخوان المسلمون من منطلق استشعارهم للمسئولية وتقدير المصلحة العليا للوطن على الالتزام بما أعلنوه من قبل بعدم الترشح للرئاسة، فقاموا بالتواصل مع أكثر من شخصية عامة مناسبة للترشح في هذه المرحلة الهامة والفاصلة في تاريخ الوطن، ولكنهم رفضوا جميعًا وأبدوا اعتذارهم وفقاً لتقديراتهم.


وأمام هذه المتغيرات والتحديات التي تمر بها الثورة الآن والتهديدات التي تواجهها، وبعد دراسة كامل الموقف في ضوء استشعار الجماعة لمسئوليتها التاريخية والوطنية، وما يصبو إليه شعبنا العظيم الذي أعطانا ثقته التي نعتز بها من أمال وطموحات، وفي ضوء ما تم من مناقشات ودراسات في الجلسات الطارئة لمجلس الشورى العام، وإعلاءً لمصلحة الوطن العليا، وتحقيقًا لأهداف الثورة ؛ أصدر مجلس الشورى العام لجماعة الإخوان المسلمين القرار التالي: « قرر مجلس الشورى العام في جلسته الطارئة اليوم السبت الموافق 31/3/2012م التقدم بمرشح لرئاسة الجمهورية، ويفوض مكتب الإرشاد بالتنسيق مع المكتب التنفيذي لحزب الحرية والعدالة باتخاذ الإجراءات التنفيذية ومتابعتها.» [1]


فما أن أعلنت جماعة الإخوان المسلمين نيتها في ترشيح واحد منها لخوض غمار انتخابات الرئاسة المنتظر ممثلاً عن الجماعة، حتى تكاتفت كافة القوى المناهضة لمشروع النهضة الإسلامي، واستنفرت العديد من وسائل الإعلام إمكاناتها وطاقتها القصوى، وحشدت العديد من القنوات الفضائية جيشاً من المتفيهقين، ومن العلمانيين والليبراليين الكارهين للإسلام ومبادئه، والمناوئين للإسلاميين عامة وللإخوان المسلمين خاصة .


والذي أثار انتباهي ودهشتي أكثر من غيره ما رأيته من هؤلاء من التمسح بالدين، والاستشهاد بنصوص الكتاب والسنة ومبادئ الإسلام لتشويه الجماعة، رغم أنهم لطالما نادوا بفكرة فصل الدين عن السياسة، وأنه لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة!!!


وهكذا استعرت الحرب على الجماعة، وخرجت من مكامنها سهام الطعن فيها وفي أبنائها ومبادئها، وأما هذه المرة فعلى أساس اتهام الإخوان المسلمين بالتراجع في أقوالهم وإخلاف الوعد بعدم الدفع بمرشح منهم للمنافسة على منصب الرئاسة، واستشهدوا بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، التي تكلمت عن خصال المنافق، والتي منها " إذا وعد أخلف."[2]


وأمام هذه الادعاءات والاتهامات وجب بيان وتوضيح براءة الإخوان المسلمين من الناحية الشرعية من هذه التهمة، والتأكيد على صحة موقف جماعة الإخوان المسلمين بالدفع بمرشح منهم ليترشح لمنصب رئاسة الجمهورية، ويمكن بيان ذلك من خلال النظر في نصوص الكتاب والسنة، وفقه السياسة الشرعية، ومقاصد الشريعة ومبادئها وقواعدها، على النحو التالي:

فقه الكتاب والسنة

بيّن الأئمة من علماء الإسلام في شروحهم للنصوص التي استند عليها من رمى جماعة الإخوان بتهمة خلف الوعد التي هي من خصال المنافقين، بأن الرجوع عن الوعد لا يقدح في صاحبه إلا إذا كان قد عقد العزم مقدماً على خلف الوعد عند إنشائه، أي أنه حين وعد كان ينوي مخالفة الوعد، أما إذا وعد وهو عازم على عدم إخلاف وعده، ثم بدا له عارض أو مانع أو عذر أو رأي منعه من الوفاء بوعده، فلا يعد هذا إخلافاً للوعد الذي هو من صفات المنافقين.

قال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله:" خُلْف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارناً للوعد، أما لو كان عازماً ثم عرض له مانع أو بدا له رأي فهذا لم توجد منه صورة النفاق، قاله الغزالي في الإحياء."[3]

وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله :" وَقَوله: "وَإِذا وعد أخلف"، خلف الْوَعْد: الرُّجُوع عَنهُ، وَهَذَا مَحْمُول على من وعد وَهُوَ على عزم الْخلف، أَو ترك الْوَفَاء من غير عذر،  فَأَما من عزم على الْوَفَاء فَعرض لَهُ عذر مَنعه من الْوَفَاء فَلَيْسَ بمنافق."[4]

وقال الإمام المناوي رحمه الله :" إذا وعد أحداً بخير في المستقبل، أخلف: أي جعل الوعد خلافاً بأن لا يفي به، لكن لو كان عازماً على الوفاء فعرض مانع فلا إثم عليه."[5]

وقد يُقال هنا: وهل شققنا عن قلوب الإخوان لنعلم صدق نيتهم من عدمه حين أعلنوا عن عدم نيتهم في الدفع بواحد منهم لمنصب الرئاسة ؟

ويُرد على ذلك بأن العديد من الأدلة والشواهد تدل على صدق جماعة الإخوان المسلمين فيما أعلنوه بعدم نيتهم في الدفع بمرشح منهم للرئاسة، ومن هذه الشواهد ما يلي:

· قامت جماعة الإخوان المسلمين بفصل واحد من أهم كوادرها التاريخية عندما رفض الالتزام بقرارها الذي أعلنته بعدم نيتها في ترشح أحد منها لانتخابات الرئاسة وفصل كل مَن يخالف هذا القرار، فكانت جادة فيما أعلنت عنه، وكان بالإمكان أن تسانده وتؤيده من تحت الطاولة، أو تلوح وتهدد بتأييده، لكنها كانت دائماً ثابتة على موقفها رغم اتهام البعض لها بأن ترشحه ليس إلا صفقة وتمثيلية بين الجماعة والمجلس العسكري.

· محاولة الجماعة في الفترة الأخيرة التوصل مع المجلس العسكري والقوى الوطنية الأخرى لمرشح توافقي من غيرهم لتأييده في الانتخابات كمرشح رئاسي لا يختلف عليه أحد، من أجل إنهاء هذه المرحلة الانتقالية بسلام، وقد رشحوا وتفاوضوا من أجل ذلك مع عدد من كبار الشخصيات المعروفة، كالمستشار طارق البشري، والمستشار حسام الغرياني، والمستشار محمود مكي، وقد انتهى الأمر بعدم قبول بعض الأطراف لهذا الحل أو اعتذارات من هذه الشخصيات.


· استمرارهم على موقفهم هذا طوال الفترة السابقة ولأكثر من عام، ولم ترد بأذهانهم فكرة الدفع بمرشح منهم إلا بعد أن أخلف غيرهم تنفيذ متطلبات خارطة طريق المرحلة الانتقالية وتسليم السلطة وفق المدد التي تم الاتفاق عليها مسبقاً، بل وبداية التهديد الفعلي بتقويض كل الإنجازات التي حققتها الثورة، والتي انتهت برفض المجلس العسكري وحكومة الجنزوري تنفيذ مطالب ومقترحات نواب برلمان الثورة، بل وصل الأمر إلى تهديد المجلس العسكري بحل البرلمان المنتخب شعبياً والعودة بمصر بعد أكثر من عام إلى المربع الأول.


ومن ناحية أخرى، فقد روى الإمام مسلم - رحمه الله – من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليترك يمينه."[6]


وفي ترجمة عملية للنبي صلى الله عليه وسلم تؤكد المعنى المقصود في النص وترفع الانحراف عن القصد، أخرج الإمام مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين نستحمله[7]، فقال : " والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه "، قال : فلبثنا ما شاء الله، ثم أتي بإبل، فأمر لنا بثلاث ذود غر الذرى، فلما انطلقنا قلنا: - أو قال بعضنا لبعض- : لا يبارك الله لنا، أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نستحمله فحلف أن لا يحملنا، ثم حملنا، فأتوه فأخبروه، فقال: " ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم، وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، ثم أرى خيراً منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير."[8]


قال الإمام النووي رحمه الله :" في هذه الأحاديث دلالة على مَن حلف على فعل شيء أو تركه وكان الحنث خيراً من التمادي على اليمين، استحب له الحنث وتلزمه الكفارة، وهذا متفق عليه."[9]


وفي تفسير قوله تعالى : { وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [10]، قال الإمام الشافعي رحمه الله :" فأعلم أن طاعة اللَّه عز وجل أن لا يفي باليمين إذا رأى غيرها خيراً منها، وأن يكفر بما فرض اللَّه عز وجل من الكفارة."[11]


وقال صاحب الظلال رحمه الله :" وعلى هذا يكون معناها: لا تجعلوا الحلف بالله مانعاً لكم من عمل البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فإذا حلفتم ألا تفعلوا، فكفروا عن إيمانكم واتوا الخير، فتحقيق البر والتقوى والإصلاح أولى من المحافظة على اليمين. [12]

وقال الشيخ الشعراوي رحمه الله : " وهكذا يحمي الله سبحانه وتعالى فعل البر ويحمي التقوى ويحمي عمليات الإصلاح بين الناس، ولو كنت قد حلفت بالله ألا تفعلها، لماذا ؟ لأنك عندما تحلف بالله ألا تفعل، وتجعل الله سبحانه وتعالى هو المانع، فقد ناقضت التشريع نفسه؛ لأن الله هو الآمر بالبر والإصلاح والتقوى، فلا تجعل يمين البشر مانعاً من تنفيذ منهج رب البشر.{ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ الناس } إن حلفت على ترك واجب وجب أن ترجع في اليمين، احنث فيه وكفر عنه .. إنه سبحانه سميع باليمين الذي حلفته، وعليم بنيتك إن كانت خيراً أو شراً فلا تتخذ اليمين حجة لأن تمنع البر والتقوى والإصلاح."[13]


وما سبق من آيات قرآنية كريمة وأحاديث نبوية شريفة ومن أقوال العلماء، يتبين لنا أنه من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليترك يمينه ويحنث فيها، وذلك خير له وللناس وللمجتمع من التمادي والإصرار على اليمين الذي يحجب الخير والبر والتقوى والإصلاح، وذلك طاعة لله  واقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم. ووجه القياس والجامع بين مسألتنا وهذه النصوص المباركة، أنها بيان توجيهي في شأن من حلف على أمر ثم تبين له أن غيره أو خلافه خير منه، فالأولى التراجع عنه وعدم تنفيذه حتى ولو كان مقيداً بيمين، فما بالنا إذا لم يقترن الأمر بيمين ؟؟؟


قال ابن عثيمين رحمه الله في تفسير قوله تعالى { وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ الناس } : " أي لا تصيروا الحلف بالله معترضاً بينكم وبين البر، والتقوى والإصلاح بين الناس ... ثم يقول بعدها : " من فوائد الآية : نهي الإنسان عن جعل اليمين مانعة له من فعل البر والتقوى والإصلاح بين الناس ؛ والنهي للتحريم إذا كانت مانعة له من واجب .. ومنها: الحث على البر والتقوى والإصلاح بين الناس ؛ وجهه: أنه إذا كان الله نهانا أن نجعل اليمين مانعاً من فعل البر، فما بالك إذا لم يكن هناك يمين ؟"[14]


فقه السياسة الشرعية [15]

عزم النبي صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة على أداء العمرة مع أصحابه رضوان الله عليهم، بل وأخذوا خطوات عملية في هذا الاتجاه، بأن تجهزوا وخرجوا من المدينة في اتجاه مكة، وقرب الوصول إلى هدفهم الذي بذلوا من أجله ما بذلوه، استجدت أمور لم تكن ماثلة أمامهم عند بداية القرار، فقد اعترضتهم قريش وأبت دخولهم وحشدت لقتالهم، وتطور الأمر إلى إمكانية حدوث صدام لم يكن في الحسبان، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأمر، ووازن وفق السياسة الشرعية بين المصالح والمفاسد التي يمكن أن تترتب على الاستمرار في قرار أداء العمرة الذي اتخذوه، فرأى أن الخير في عدم الإصرار على ما عزموا عليه وأعلنوه، وتفاوض مع خصومه بما عُرف بـ " صلح الحديبية " والذي بمقتضاه قبِل صلى الله عليه وسلم الرجوع ومن معه إلى المدينة دون تنفيذ القرار الذي اتخذوه والهدف الذي خرجوا من أجله وساروا إليه كل هذه المسافة البعيدة، ولم يرض جلّ الصحابة - رضوان الله عليهم- على هذا القرار الجديد، وأبدوا استعداداً للقتال من أجل إتمام ما عزموا عليه وخرجوا من أجله، وكان على رأس المعترضين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم أدركوا لاحقاً أن الخير كل الخير كان في قرار عدم استكمال ما أعلنوه سابقاً، وأن الإصرار على القرار المُتخذ دون مراعاة المصالح والمفاسد ليس من قبيل السياسة الشرعية التي تعلموها من النبي صلى الله عليه وسلم.


روى الإمام البخاري - رحمه الله –  في حديث طويل يحكي قصة يوم الحديبية، جاء فيه موقف الصحابة رضوان الله عليهم بعد أن أختار النبي صلى الله عليه وسلم الصلح مع قريش والرجوع إلى مكة دون إتمام ما قرروه مسبقاً : ".. قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت : ألست نبي الله حقاً، قال: "بلى"، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل، قال: "بلى"، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال : " إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري "، قلت : أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال: "بلى"،فأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ "، قال : قلت : لا، قال : " فإنك آتيه ومطوف به "، قال : فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى، قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى، قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال : أيها الرجل إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصى ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت: لا، قال : فإنك آتيه ومطوف به، - قال الزهري : قال عمر - : فعملت لذلك أعمالاً، قال : فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " قوموا فانحروا ثم احلقوا "، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة : يا نبي الله، أتحب ذلك، اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا، فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غماً."[16]


وفي غزوة الخندق تعرض المسلمون لهجمة شرسة غير مسبوقة، فقد تكالبت عليهم قبائل العرب وتحزب المشركون لاستئصال شأفة المسلمين، فأحاطوا بالمدينة وفرضوا عليها حصاراً محكماً دام قرابة الشهر، وزاد الأمر شده بعد نقض يهود بني قريظة عهدهم مع المسلمين وتحالفهم مع  أحزاب المشركين، فحاول النبي صلى الله عليه وسلم من باب السياسة الشرعية التفاوض مع طرف من أطراف الصراع لتخفيف الحصار عن المدينة، واجتهد في الأمر بغية تحقيق المصلحة العامة للمسلمين، ووصل اجتهاده صلى الله عليه وسلم إلى حل رآه مناسباً يدفع به الأزمة ويرفع به المحنة التي ألمت بالمسلمين، ففاوض قادة غطفان على التصالح معهم، وانتهى التفاوض بعرض أولي بأن يعطيهم ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا عنه وعن أصحابه ولا يشاركوا المشركين في حربهم، وكان هذا عرضاً واتفاقاً مبدئياً وليس نهائياً تم قبوله والانتهاء منه والتزام جميع الأطراف به كعهد أو اتفاق أو وثيقة موقعة، فلما عرض النبي صلى الله عليه وسلم الأمر على أصحابه وتشاوروا فيه، رفضوه اعتزازاً بإسلامهم، خاصة بعد أن علموا أنه اجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم وليس وحياً، فأخذ صلى الله عليه وسلم برأيهم ولم يمض العرض الذي طرحه على قادة غطفان .


قال ابن هشام رحمه الله :" فلما اشتد على الناس البلاء، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم، عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة[17] في ذلك. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل؛ بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله، أمراً نحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لابد لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟ قال: " بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم [18] من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما "، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى[19] أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ! والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأنت وذاك."، فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا."[20]


قال الإمام السرخسي رحمه الله : " مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلح في الابتداء لما أحس الضعف بالمسلمين، فحين رأى القوة فيهم بما قاله السعدان - رضي الله عنهما - امتنع من ذلك." [21]


ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتم الاتفاق معهم لنهايته، ولم يوقعه أي طرف من أطراف التفاوض، إلا أنهم طالبوه بالالتزام به لاحقاً، فلما علموا بأن العرض المبدئي الذي طرحه عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم الملغي لرفض الصحابة له، طعنوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم واتهموه بالغدر والتراجع وإخلاف العهد والوعد.


فعن أبي هريرة رضى الله عنه، قال: جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ناصفنا تمر المدينة وإلا ملأناها عليك خيلاً ورجالاً، فقال: حتى أستأمر السعود، سعد بن عبادة وسعد بن معاذ - يعني يشاورهما – فقالا: والله ما أعطينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء الله بالإسلام ؟ فرجع إليه الحارث فأخبره، فقال : " غدرت يا محمد"، قال: فقال حسان :


يَا حَارِ مَنْ يَغْدُرْ بِذِمَّةِ جَارِهِ ... أَبَدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَغْدُرُ

إِنْ تَغْدُرُوا فَالْغَدْرُ مِنْ عَادَاتِكُمْ ... وَاللْؤُمُ يَنْبُتُ فِي أُصُولِ السَّخْبَرِ

وَأَمَانَةُ الْمَرْءِ حَيْثُ لَقِيتَهَا ... كَسْرُ الزُّجَاجَةِ صَدْعُهَا لَا يُجْبَرُ

قال: فقال الحارث: كف عنا يا محمد لسان حسان فلو مزج به ماء البحر لمزجه.[22]


أفبعد هذا يحق لمن ينكرون على جماعة الإخوان المسلمين عدم التمسك بإعلان تطوعي من جانب واحد، لا يحمل معنى العقد أو العهد، ولا يترتب على نقضه ضرر لأحد، كان يهدف لتهدئة الأجواء واستقرار الأوضاع، ولم يشاركهم فيه أحد، ولم يلتزموا به أمام أي طرف أو هيئة أو كتلة أو ائتلاف سياسي ؛ كعهد أو اتفاق أو وثيقة مكتوبة وموقعة ؟!


مقاصد الشريعة

من المعلوم أن من مصارف الزكاة الثمانية سهم المؤلفة قلوبهم[23]، وذلك في قوله تعالى: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }[24]، وهكذا مضت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إعطاء سهم المؤلفة قلوبهم لمن ينطبق عليه هذا الوصف.


إلا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نظر إلى الباعث على الحكم، فلم ير إعطاء المؤلفة قلوبهم  من الزكاة لعدم الحاجة لتأليفهم، نظراً لانتشار الإسلام وقوته ومنعته في عهده، وقد نقلت كتب الفقه وتكلم العلماء في هذه المسألة، فلم يذكروا أن أحداً من الصحابة خطّأ عمر رضي الله عنه في ذلك، ولا اتهمه أحد بمخالفة القرآن الكريم أو السنة أو تغيير المواقف ونقض الثوابت، بل كان إجماعاً سكوتياً منهم لموافقة عمر في اجتهاده وفهمه لمقاصد الشريعة، رضى الله عنهم أجمعين.


ولا شك أن عمر قطع إعطاء المؤلفة قلوبهم مع أن صنفهم لا يزال موجوداً، فقد رأى أن الله أغنى دين الإسلام بكثرة أتباعه فلا مصلحة للإسلام في دفع أموال المسلمين لتأليف قلوب مَن لم يتمكن الإسلام من قلوبهم."[25]، وبذلك قال المحققون من الفقهاء بعدم إعطائهم زمن قوة الإسلام لعدم الحاجة لتأليفهم، فإن احتيج لذلك أعطوا من الزكاة، فإن الغنى عنهم لا يوجب رفع حكمهم، وإنما يمنع عطيتهم حال الغنى عنهم، فمتى دعت الحاجة إلى إعطائهم أعطوا، فكذلك جميع الأصناف إذا عدم منهم صنف في بعض الزمان سقط حكمه في ذلك الزمن خاصة فإذا وجد عاد حكمه."[26]


وإذا كان هذا في حكم شرعي قطعي ثابت بالكتاب والسنة، ثم كان الفهم العميق لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمقاصد الشريعة عندما انتفت دواعي وأسباب الحكم الأول، فما بالنا باجتهاد سياسي كان له أسبابه ودواعيه، ثم تبين للجميع أن الأسباب والدواعي لهذا القرار قد تغيرت وتبدلت، وأصبح التخويف من الإسلاميين الذي شاع في عصر النظام البائد قد تبدد مع نتائج برلمان الثورة، التي بينت مدى ثقة الناس في جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من الإسلاميين، لقد انتفت الدواعي والأسباب التي دعت للإعلان عن عدم النية في الدفع بمرشح للرئاسة لقصد معين، ووفق فهم مقاصد الشريعة لا مانع من تغييره والعمل بغيره لما فيه مصلحة البلاد والعباد، ولا يسمى هذا تراجعاً أو إخلافاً بالوعد.


نظرية المصلحة العامة

فوفق مفهوم نظرية المصلحة العامة في الفقه الإسلامي تغيرت كثير من المواقف والقرارات مراعاة للمصلحة العامة، ومن الأمثلة على ذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم حين أعطى أبيض بن حمال رضي الله عنه أرضاً يستخرج منها الملح يقال له " ملح شذا بمأرب "، من باب من أحيى أرضاً مواتاً فهي له، ظناً منه صلى الله عليه وسلم أنها تحتاج لجهد لاستخراجه، فلما بيَّن له أحد أصحابه أنها غزيرة الإنتاج دون جهد، وأن كل من وردها من الناس يأخذ منها وينتفع بها، رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أقطعه له من باب مراعاة المصلحة العامة.


روى الإمام  ابن ماجة – رحمه الله – من طريق سعيد بن أبيض، عن أبيه أبيض بن حمال: " أنه استقطع الملح[27] الذي يقال له: ملح شذا بمأرب، فأقطعه له[28]، ثم إن الأقرع بن حابس التميمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني قد وردت الملح في الجاهلية وهو بأرض ليس بها ماء، ومن ورده أخذه، وهو مثل الماء العد[29]، فاستقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض بن حمال في قطيعته في الملح، فقال: قد أقلتك منه على أن تجعله مني صدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو منك صدقة، وهو مثل الماء العد، من ورده أخذه" قال فرج: " وهو اليوم على ذلك، من ورده أخذه قال: فقطع له النبي صلى الله عليه وسلم أرضا ونخلا، بالجوف جوف مراد مكانه حين أقاله منه." [30]


قال السندي رحمه الله -  في تفسير أسباب رجوع النبي صلى الله عليه وسلم عما أقطعه لأبيض بن حمال رضى الله عنه : " قيل: ظناً بأنه معدن يحصل منه الملح بعمل وكد، فلما ظهر خلافه رجع."[31]


وقال أبو الحسين الشافعي رحمه الله : " لأنه كان ظن في الابتداء أنه من المعادن التي يحتاج فيها إلى الحفر، فلما تبين له الحال.. نقض ما كان فعله."[32]


وكان لعمر بن الخطاب رضى الله عنه موقف مغاير لما هو معهود من قسمة الأرض التي فتحها المسلمون وفق الكتاب والسنة، وكان يقول: " أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس بباناً[33] ليس لهم شيء، ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ولكني أتركها خزانة[34] لهم يقتسمونها."[35] فلما اتسعت الفتوحات في عهد عمر رضى الله عنه، اجتمع إليه من شارك في الفتوحات واستحق نصيباً من الغنيمة فسألوه القسمة، فامتنع عمر رضى الله عنه من توزيعها على النحو المقرر بالكتاب والسنة { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }[36]، فقد أشفق ألا يبقى شيء تنتفع به الأجيال المتعاقبة إذا قسم الأرض على الفاتحين، وهكذا رأى أن تحبس الأرض ولا يقسمها قسمة سائر الأموال، وأن يضع عليها خراجاً ليبقى نفعها، فشاور الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك، فقال له معاذ رضى الله عنه : والله إذن ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون، فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسداً وهم لا يجدون شيئا، فانظر أمراً يسع أولهم وآخرهم، وقال له علي رضي الله عنه : دعه يكون مادة للمسلمين، فتركه."[37] وهكذا امتنع من تقسيمها على الفاتحين لتبقى أصلاً من أصول الدولة، مراعاة للمصلحة العامة وللأجيال القادمة.


فما بالنا باجتهاد سياسي راعى المصلحة العامة في حينه بالامتناع عن الترشح لمنصب الرئاسة لتهدئة الأوضاع وإنجاح الثورة، ثم تبين للجميع أن الأسباب والدواعي له قد تغيّرت، حتى أصبحت المصلحة العامة الآنية والتي فيها الخير للبلاد والعباد تقتضي العمل بخلافه، فإن الاستمرار في الإعراض عن الترشح قد يقوض كل الإنجازات التي حققها شعب مصر العظيم، على يد طائفة مأجورة ما زالت تتآمر على إجهاض ثورته وإعادة إنتاج النظام القديم، فقد وصل بهم الأمر إلى الدفع بثلة من أركان النظام البائد للتنافس على منصب رئاسة الدولة من جديد.


قواعد الفقه

من القواعد الفقهية التي قررها الفقهاء، قاعدة " لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان."[38]


قال الإمام ابن عابدين رحمه الله : فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد، لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن إحكام."[39]


وقال الزحيلي : " اتفقت كلمة المذاهب على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية التي بُنيت على القياس ودواعي المصلحة. فإذا أصبحت لا تتلاءم وأوضاع الزمان ومصلحة الناس وجب تغييرها، وإلا كانت عبثاً وضرراً، والشريعة منزهة عن ذلك، ولا عبث فيها.


أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها بنصوصها الأصلية: الآمرة والناهية، كحرمة الظلم، وحرمة الزنى، والربا، وشرب الخمر والسرقة، وكوجوب التراضي في العقد، ووجوب قمع الجرائم وحماية الحقوق، فهذه لا تتبدل بتبدل الزمان، بل هي أصول جاءت بها الشريعة لإصلاح الزمان والأجيال. ولكن وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها قد تتبدل باختلاف الأزمنة.. والحقيقة أن الأحكام الشرعية التي تتبدل بتبدل الزمان، المبدأ الشرعي فيها واحد، وهو إحقاق الحق، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وليس تبدل الأحكام إلا تبدل الوسائل والأساليب الموصلة إلى غاية الشارع، فإن تلك الوسائل والأساليب في الغالب لم تحددها الشريعة الإسلامية، بل تركتها مطلقة لكي يختار منها في كل زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجاً، وأنجح في التقويم علاجاً. والضابط في هذه القاعدة أن الأحكام المبنية على المصلحة والعرف تتغير بتغير مصالح الناس وأعرافهم وعوائدهم مع تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال."[40]


وهذا الفهم للشريعة الإسلامية وقواعدها هو ما دعا الإمام الشافعي - رحمه الله - إلى تغيير الكثير من أقواله وآرائه في الأحكام التي تكلم فيها بسبب انتقاله من مكان لمكان ومن بيئة لبيئة ومن ظروف لظروف، حتى عُرف في مذهبه بالرأي القديم والرأي الجديد.


فإذا كان لا يُنكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان في أحكام شرعية، فما بالنا برؤية سياسية مبنية على حسابات معقدة ومستجدات متلاحقة ؟


وإذا كان قرار جماعة الإخوان المسلمين بترشح أو بعدم ترشح أحد منهم لمنصب الرئاسة يعد قراراً سياسياً وليس حكمًا فقهيًّا، فكيف يُنكر على جماعة الإخوان اتخاذ موقف سياسي جديد بعد كل ما تراءى لها وللجميع حجم المؤامرة التي تتعرض لها مصر، ومدى التكالب الخارجي والداخلي على إجهاض ثورتها المباركة وإيقاف مشروع نهضتها الكبرى الذي تستحقه وشعبها العظيم .


كيف ينكر عليها مواقفها السياسية المشروعة كغيرها، وكيف يطالبها البعض بالوقوف جامدة عاجزة أمام المواقف المتسارعة، ونكوص أطراف عديدة بالتزاماتها تجاه مستحقات الثورة والمرحلة الانتقالية، وأمام كل هذا التضليل الإعلامي والتلاعب والالتفاف على إرادة الشعب، والحيل غير الشريفة التي تمارسها أطراف عديدة تسعى لتعطيل مسيرة الإصلاح وإقصاء التيار الإسلامي والوصول بمصر إلى الفوضى التي أرادها النظام البائد وبقاياه.؟


وهكذا فإن جماعة الإخوان المسلمين بريئة فقهياً وسياسياً من تهمة تغيير مواقفها والإخلاف بوعدها، ومن حق الجماعة اتخاذ ما تراه مناسباً أمام المستجدات والظروف المتغيرة.


وما عهدناه من جماعة الإخوان المسلمين طوال تاريخهم المشرف، حرصهم الدائم على تحقيق المصلحة العامة، وممارسة السياسة الشرعية وفق مرجعية إسلامية تعلي من قدر المبادئ والأخلاق عند الموازنة بين المصالح والمفاسد، وهذا يُطمئن قلوب أبنائها والعاملين في رحابها، ويؤلف قلوب المخلصين للالتفاف حولها وتأييدها، ويمنحها ميزة كبيرة تكسبها مرونة وقدرة على اتخاذ القرارات القوية والمناسبة في حينها.


وقد بينت الأحداث كيف تتعرض جماعة الإخوان المسلمين دائماً للتشويش على ما تتخذه من قرارات وإجراءات تواكب الحدث، ومع مرور الأيام يتضح لنا عمق رؤية الجماعة وصواب قراراتها، وما ذلك إلا بتوفيق الله تعالى لهذه الجماعة المباركة { وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ }[41]، ثم بما تملكه من كوادر متخصصة على أعلى المستويات، تتناول المستجدات والأحداث من كافة جوانبها وفق آليات متعددة ومتنوعة قبل البت فيها، وهذا ما يطمئننا على قدرة الإخوان المسلمون على الوفاء بمهام مشروع النهضة الكبرى الذي أعلنت عنه، والوصول بمصر إلى بر الأمان والريادة، ولتتبوأ مقعدها الذي تستحقه ويستحقه شعب مصر العظيم المصابر، فاللهم نصرك وعونك وتأييدك.
والله تعالى ولي التوفيق وهو القادر عليه