د.عماد صديق يكتب : قواعد الإختلاف فى زمن البلبلة
أولا : ما المقصود بالفتن والبلبلة ؟هى اضطراب ناشئ عن تشتت الأفكار واختلاف المناهج فى حدث معين ، سيتتبعه قيل وقال وتباين فى الرأي ومغايرة فى الطرح - كما نعيش هذه الأيام .
ثانيا : هل الاختلاف فى الرأي ضار ؟الاختلاف فى الرأى ضرورة ، كما قال الشيخ محمد الغزالى رحمه الله : " الناس بخير ما تباينوا ، فإذا تساووا هلكوا " ، والاختلاف ربما كان رحمة وتوسعة " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ، ولذلك خلقهم " ، ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا " ، ويقوا ابن القيم رحمه الله : " الاختلاف ضرورة لتفاوت الأغراض والأفهام وقوى الإدراك ، والمذموم البغي والعدوان " .أى أن الاختلاف فى حد ذاته ليس ضررا ، بل الضرر فيما يترتب عليه من البغى والعدوان والخروج عن الخلق القويم فى الاختلاف وعدم مراعاة آداب الاختلاف ، فلتختلف آراؤنا ولكن لا يجب أن تتخالف قلوبنا . أى أنه ليس الأمر فى أن نختلف ولكن كيف نختلف ؟
ثالثا : ما المخرج من مضار الاختلاف ؟ كيف نختلف ؟المخرج بسيط وهو أن نعود إلى الكتاب والسنة ونلتزم بآداب الاختلاف وأخلاق الحوار والنقد ، فقد كان الصحابة يختلفون ، ولكن كان الحق غايتهم والمصلحة رائدهم ، فكان اختلافهم اجتهادا فى طلب الحق ، وكان كل واحد منهم يتمسك برأيه ويحترم رأى الآخر ويُنزل صاحبه مكانته الحقيقة ، اختلفت آراؤهم ولم تختلف قلوبهم ولم تفسد نفوسهم ، وإليكم هذه القصة :" اختلف ابن عباس وزيد ابن ثابت في توريث الإخوة مع وجود الجد، فكان زيد لا يراه ، وأما ابن عباس فيخالفه فى الرأى ويقول : ألا يتقي الله زيد ، يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أب الأب أباً ، ثم يقول ابن عباس : لوددت أني وهؤلاء الذين يخالفونني في الفريضة نجتمع فنضع أيدينا على الركن – أى فى الكعبة - ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين .
ورغم هذه الثقة العارمة لابن عباس فى رأيه وتمسكه به ، فإنه ذات يوم رأى زيداً على دابته فأخذ بخطامها يسوقها له ، وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا ، فقال زيد بن ثابت : أرني يدك ، فأخرج ابن عباس يده فقبلها زيد ، وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم . " ولما دُفن زيد قال ابن عباس : هكذا ذهاب العلم ، لقد دفن اليوم علم كثير . وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقع أمامه الاختلاف بين صحابته ويقر كلا على فعله ولا يلوم ولا يوبخ ، وكان يراعى النفوس ويحسن التوجيه ، مادام الاختلاف مستساغا ،والذى يرجع إلى حادثة صلاة العصر فى بنى قريظة يرى ذلك جليا ، ففيها فريق أخذ بمفهوم الكلام وآخر أخذ بمنطوقه ، فأقر النبى – صلى الله عليه وسلم - كلا على فعله .يقول تعالى : " وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ "ويقول تعالى : " فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً "
رابعا : من آداب الاختلاف .1- الالتزام بالقواعد العامة للاجتهاد والتماس الأعذار :الاختلاف يكون أحيانا اجتهاد فى طلب الحق ، والاجتهاد فى طلب الحق جائز ، ويكون أحيانا رحمة وسعة ، والاختلاف الاجتهادي لا يقتضى العداوة ، كما الشافعي لأحد أصدقائه وقد اختلفا فى مسألة من العلم : " ألا يستقيم أن نكون إخوانا وغن لم نتفق فى مسألة " .ومن قواعد الاجتهاد :الاختلاف جائز فى الأمور الاجتهادية ، والعصمة فقط لله ولرسوله .الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ، وليس لمجتهد أن يعترض على مجتهد آخر فى موضع الخلاف .لا يجوز حمل الناس على الأمر الاجتهادي .عدم الإنكار فى مسائل الاختلاف ، ولا ينكر على من أتى شيئا مختلفا فى تحريمه .كل مجتهد فى الفروع مصيب ، ومن اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر .قال الذهبي : " كل فرقة تتعجب من الأخرى ، ونرجو لكل من بذل جهده فى طلب الحق أن يُغفر له ، ولقد وقع بين الصحابة ما هو أكثر من ذلك " .
2- التماس الأعذار للمخالف مع حسن الظن وعدم اتهام النيات .فهناك عذر بالجهل ، وهناك عذر باختلاف العلماء ، وهناك عذر بالاجتهاد ، ولكن لا ينبغى اتهام أحد فى نيته ، وكما قيل : التمس لأخيك إلى سبعين عذرا فإن لم تجد فقل لعل له عذر لا أعرفه ، وقال عمر بن الخطاب : لا تظنن فى كلمة خرجت من فىّ أخيك إلا خيرا ما دمت تجد لها على الخير محملا .وقالت عائشة رضي الله عنها وقد اختلفت مع أحد الصحابة فى الرأى : " أما إنه لم يكذب ، ولكنه نسى أو أخطا " ، وكان الشافعى يقول : " قولى صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيرى خطأ يحتمل الصواب " ، ويقول تعالى : " أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ " .
3- التثبت وعدم الخوض فى الكلام بغير علم وعدم التسرع فى الأحكام .يقول تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ " ، ويقول تعالى : " وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مسئولا " .4- الهدوء والتريث والأناة وعدم الانسياق وراء الشائعات .يقول تعالى : " وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً" ، ويقول تعالى عن المرجفين الذين يريدون إثارة البلبلة بين الناس : " لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ " ، فإذا زادت الفوضى والتخبط وتاهت الحقيقة وسط صخب الشائعات وظلام الليل ، فأمسك عليك لسانك واهدأ حتى ينقشع الضباب ويزول الظلام وتشرق شمس الحقيقة فترى العيون ما أخفى عنها .
5- العدل والإنصاف والموضوعية فى النقد .يقول تعالى : " وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى " " وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى " ، فمن العدل أن لا يؤخذ أحد بخطأ غيره ، وألا يحكم على جماعة بخطأ فرد فيها ، ومن العدل أن لا تمحو سيئة واحدة حسنات كالجبال ، وألا ينسف خطا واحد العديد من الإصابات ، فلابد من الموازنة بين كل الأعمال ، ففى الموازنة عصمة من الزلل .كما أن النقد لابد أن يتوفر فيه الصدق والإخلاص ، فضلا عن الموضوعية وحسن النصح .
6- الجدال بالتى هى أحسن والرفق فى الحوار .يقول تعالى : " وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً " ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " ، ودخل بعض اليهود على رسول الله ، فقالوا : السام عليك ( السام هو الموت ) ، فقال : وعليكم ، فقالت عائشة – رضى الله عنها - : بل السام عليكم واللعنة ، فقال لها النبى – صلى الله عليه وسلم - : يا عائشة لا تكونى فاحشة ، إن الله يحب الرفق فى الأمر كله .
7- مراعاة الأخوة والحلم والصفح :ففى الاختلاف فى الاجتهادات تختلف الأراء ولا تختلف الصدور ، وكما قالوا : الخلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية ، وإليكم بهذه القصة :" كان لعبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - مزرعة في المدينة مجاورة لمزرعة يملكها معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما - , وفي ذات يوم دخل عمّال مزرعة معاوية إلى مزرعة إبن الزبير , فغضب إبن الزبير وكتب لمعاوية في دمشق , وقد كان بينهما عداوة :
من عبدالله إبن الزبير إلى معاوية - ابن هند آكلة الأكباد - أما بعد ،
فإن عمالك دخلوا إلى مزرعتي فمرهم بالخروج منها , أو فوالذي لا إله إلا هو ليكوننّ لي معك شأن . فوصلت الرسالة لمعاوية وكان من أحلم الناس فقرأها , ثم قال لإبنه يزيد :ما رأيك في إبن الزبير أرسل لي يهددني ؟
فقال له ابنه يزيد : أرسل له جيشاً أوله عنده وآخره عندك يأتيك برأسه ، فقال معاوية : بل خيرٌ من ذلك زكاة وأقرب رحما ، فكتب رسالة إلى عبدالله بن الزبير يقول فيها : من معاوية بن أبي سفيان إلى عبدالله بن الزبير - ابن أسماء ذات النطاقين - أما بعد ،
فوالله لو كانت الدنيا بيني وبينك لسلمتها إليك ..ولو كانت مزرعتي من المدينة إلى دمشق لدفعتها إليك ..فإذا وصلك كتابي هذا فخذ مزرعتي إلى مزرعتك وعمالي إلى عمالك ...فإن جنّة الله عرضها السموات والأرض .فلما قرأ إبن الزبير الرسالة بكى حتى بلها بالدموع ، وسافر إلى معاوية في دمشق وقبّل رأسه وقال له : " لا أعدمك الله حلماً أحلك في قريش هذا المحل "
8- الصبر وحسن الظن بالله ، وانتظار الفرج ، فخير العبادة انتظار الفرج .9- التقة فى النفس ومقاومة المشككين وعدم سماع المرجفين الذين يريدون إثارة البلبلة وغرس الاحباط والتثبيط فى النفوس لتيأس من التغيير والاصلاح .
10- الدعاء وحسن التوكل على الله :اللهم إن في تدبيرك مايغني عن الحيل ،وفي كرمك ماهو فوق الأمل ،وفي حلمك مايسد الخلل ، وفي عفوك مايمحو الزلل ،اللهم فبقوه تدبيرك ، وعظيم عفوك ، وسعة حلمك ، وفيض كرمك ،أسألك أن تدبر لى وأهلي وأحبتي بأحسن التدابير، و أن تلطف بنا وترحمنا ،وأن تنجينا من كل ما يخيفنا ويهمنا ،اللهم لانضام وأنت حسبنا ، ولانفتقر وأنت ربنا ،فأصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ،ولاحول ولاقوه إلا بكوالحمد لله رب العالمين .
ورغم هذه الثقة العارمة لابن عباس فى رأيه وتمسكه به ، فإنه ذات يوم رأى زيداً على دابته فأخذ بخطامها يسوقها له ، وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا ، فقال زيد بن ثابت : أرني يدك ، فأخرج ابن عباس يده فقبلها زيد ، وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم . "
من عبدالله إبن الزبير إلى معاوية - ابن هند آكلة الأكباد - أما بعد ،
فإن عمالك دخلوا إلى مزرعتي فمرهم بالخروج منها , أو فوالذي لا إله إلا هو ليكوننّ لي معك شأن . فوصلت الرسالة لمعاوية وكان من أحلم الناس فقرأها , ثم قال لإبنه يزيد :ما رأيك في إبن الزبير أرسل لي يهددني ؟
فقال له ابنه يزيد : أرسل له جيشاً أوله عنده وآخره عندك يأتيك برأسه ، فقال معاوية : بل خيرٌ من ذلك زكاة وأقرب رحما ، فكتب رسالة إلى عبدالله بن الزبير يقول فيها : من معاوية بن أبي سفيان إلى عبدالله بن الزبير - ابن أسماء ذات النطاقين - أما بعد ،
فوالله لو كانت الدنيا بيني وبينك لسلمتها إليك ..ولو كانت مزرعتي من المدينة إلى دمشق لدفعتها إليك ..فإذا وصلك كتابي هذا فخذ مزرعتي إلى مزرعتك وعمالي إلى عمالك ...فإن جنّة الله عرضها السموات والأرض .فلما قرأ إبن الزبير الرسالة بكى حتى بلها بالدموع ، وسافر إلى معاوية في دمشق وقبّل رأسه وقال له : " لا أعدمك الله حلماً أحلك في قريش هذا المحل "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق